عدة الصابرين

الباب السابع في ذِكْرِ أقسامه باعتبار متعلَّقه

الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام١:

صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها.

وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها.

وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.

وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في: "فتوح الغيب": "لا بد للعبد من أمر يفعله، ونهيٍ يجتنبه، وقدَرٍ يصبر عليه"٢.

وهذا الكلام يتعلق بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى، وطرف من جهة العبد.

فأما الذي من جهة الرب، فهو: أن اللَّه تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني، وحكم كوني قدري؛ فالشرعي متعلق بأمره، والكوني متعلق بخلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر.

وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب، فإنّ المطلوب إنْ

  1. (١) انظر هذا التقسيم للصبر في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٠، ٦١، ٦٢).
  2. (٢) "فتوح الغيب" ص ٦. ونصُّ كلامه: "لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يتعلق به، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به".
    وذكر ذلك عنه شيخ الإِسلام كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٤٥٥)، ثم علّق عليه بقوله: "هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد. . . ".
48

كان محبوبًا له فالمطلوب فعله إما وجوبًا وإما استحبابًا، ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب تركه إما تحريمًا وإما كراهة، وذلك أيضًا موقوف على الصبر. فهذا حكمه الديني الشرعي.

وأما حكمه الكوني القدري فهو ما يقضيه ويقدِّره على١ العبد من المصائب التي لا صنع له فيها، ففرضه الصبر عليها.

وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء٢، وهما وجهان في مذهب أحمد، أصحهما أنه مستحب٣.

فرجعَ الدين كلُّه إلى هذه القواعد الثلاثة: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاثة ما دام مكلّفًا، ولا تسقط عنه هذه الثلاثة حتى يسقط عنه التكليف، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر، لا تستوي إلا عليه، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها.

فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر، والشيخ دائمًا يحوم حول هذه الأمور الثلاثة، كقوله: "يا بني افعل

  1. (١) في الأصل: "من"، والتصويب من النسخ الأخرى.
  2. (٢) انظر في ذلك: "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (٢/ ٣٦١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١/ ١١٦ - ١١٧)، و"الفواكه الدواني" ص: ٥٨ - ٦٠، و"إعانة الطالبين" (١/ ١٥٩)، و"كشاف القناع" (٢/ ١٦٢).
    وقد ذكر شيخ الإِسلام القولين، ثم قال: "أصحهما أنه مستحب ليس بواجب". انظر "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٩١).
  3. (٣) فصّل المصنف المسألة في "شفاء العليل": (٢/ ٧٦١).
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي