عدة الصابرين

كان محبوبًا له فالمطلوب فعله إما وجوبًا وإما استحبابًا، ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب تركه إما تحريمًا وإما كراهة، وذلك أيضًا موقوف على الصبر. فهذا حكمه الديني الشرعي.

وأما حكمه الكوني القدري فهو ما يقضيه ويقدِّره على١ العبد من المصائب التي لا صنع له فيها، ففرضه الصبر عليها.

وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء٢، وهما وجهان في مذهب أحمد، أصحهما أنه مستحب٣.

فرجعَ الدين كلُّه إلى هذه القواعد الثلاثة: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاثة ما دام مكلّفًا، ولا تسقط عنه هذه الثلاثة حتى يسقط عنه التكليف، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر، لا تستوي إلا عليه، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها.

فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر، والشيخ دائمًا يحوم حول هذه الأمور الثلاثة، كقوله: "يا بني افعل

  1. (١) في الأصل: "من"، والتصويب من النسخ الأخرى.
  2. (٢) انظر في ذلك: "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (٢/ ٣٦١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١/ ١١٦ - ١١٧)، و"الفواكه الدواني" ص: ٥٨ - ٦٠، و"إعانة الطالبين" (١/ ١٥٩)، و"كشاف القناع" (٢/ ١٦٢).
    وقد ذكر شيخ الإِسلام القولين، ثم قال: "أصحهما أنه مستحب ليس بواجب". انظر "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٩١).
  3. (٣) فصّل المصنف المسألة في "شفاء العليل": (٢/ ٧٦١).
49

المأمور، واجتنب المحظور، واصبر على المقدور".

وهذه الثلاثة هي التي وصّى بها لقمان لابنه في قولهه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] فأمرُه بالمعروف يتناول فعلَه في نفسه وأمرَ غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر، أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه. وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهيَ لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي.

وذكر هذه الأصول سبحانه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢] فجمع لهم مقامات الإِسلام والإيمان في هذه الأوصاف:

فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه.

ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنه لا يقع منهم نقضه.

ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنُه وحق اللَّه وحَقُّ خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه، والتوبة إليه١ والاستكانة له، والخضوع

  1. (١) "إليه" ساقطة من الأصل.
50

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي