عدة الصابرين

المأمور، واجتنب المحظور، واصبر على المقدور".

وهذه الثلاثة هي التي وصّى بها لقمان لابنه في قولهه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] فأمرُه بالمعروف يتناول فعلَه في نفسه وأمرَ غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر، أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه. وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهيَ لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي.

وذكر هذه الأصول سبحانه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢] فجمع لهم مقامات الإِسلام والإيمان في هذه الأوصاف:

فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه.

ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنه لا يقع منهم نقضه.

ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنُه وحق اللَّه وحَقُّ خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه، والتوبة إليه١ والاستكانة له، والخضوع

  1. (١) "إليه" ساقطة من الأصل.
50

والذل له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها، والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها. فهذه هي الوصلة بين العبد والرب، وقد أمر اللَّه بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل.

وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله بالإيمان به، وتصديقه وتحكيمه في كل شيء، والرضا بحكمه والتسليم له، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين؛ فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله.

وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فإنه أَمَرَ ببر الوالدين وصلة الأرحام، وذلك مما أمر به أن يوصل.

وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الأرقّاء بأن نطعمهم مما نأكل، ونكسوهم مما نلبس، ولا نكلفهم فوق طاقتهم.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمَهم ونستحي منهم كما يستحيي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه.

51

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي