عدة الصابرين

والذل له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها، والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها. فهذه هي الوصلة بين العبد والرب، وقد أمر اللَّه بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل.

وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله بالإيمان به، وتصديقه وتحكيمه في كل شيء، والرضا بحكمه والتسليم له، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين؛ فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله.

وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فإنه أَمَرَ ببر الوالدين وصلة الأرحام، وذلك مما أمر به أن يوصل.

وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الأرقّاء بأن نطعمهم مما نأكل، ونكسوهم مما نلبس، ولا نكلفهم فوق طاقتهم.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا.

وأن نصِلَ ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمَهم ونستحي منهم كما يستحيي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه.

51

فهذا كله مما أمر به أن يوصل.

ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة، وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب فقال: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١﴾ [الرعد: ٢١]. ولا يمكن أحدًا قط أن يصل ما أمر اللَّه بوصله إلا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوُصَل.

ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد، هو آخية ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] فلم يكتفِ منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصًا لوجهه.

ثم ذكر لهم ما يعينُهم على الصبر وهو الصلاة، فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. وهما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ٤٥﴾ [البقرة: ٤٥] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ١٥٣﴾ [البقرة: ١٥٣].

ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرًّا وعلانية، فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة، وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم.

ثم ذكر حالهم إذا جُهل عليهم وأوذوا أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة، فيحسنون إلى من يسيء إليهم، فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾١ [الرعد: ٢٢].

وقد فُسِّر هذا الدرء بأنهم يدفعون الذنب بالحسنة بعده، كما قال

  1. (١) الآية ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
52

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي