زاد المعاد

إحرامه لكان أحرم بعمرةٍ ولم يَسُقِ الهدي، لأنَّ الذي استدبره هو الذي فعلَه ومضى فصار خلفه، والَّذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فبيَّن أنَّه لو كان مستقبلًا لما استدبره ــ وهو الإحرام ــ لأحرم١ بالعمرة دون هديٍ، ومعلومٌ أنَّه لا يختار أن ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنَّما يختار الأفضل، وهذا يدلُّ على أنَّ آخر الأمرينِ منه ترجيح التَّمتُّع.

ولمن رجَّح القِران مع السَّوق أن يقول: هو ﷺ لم يقل هذا لأجل أنَّ الذي فعله مفضولٌ مرجوحٌ، بل لأنَّ أصحابه شقَّ عليهم أن يحلُّوا من إحرامهم مع بقائه هو محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمِروا به مع انشراحٍ ومحبَّةٍ وقبولٍ. وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة: «لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ لنقضتُ الكعبة وجعلتُ لها بابين»٢، فهنا٣ ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتَّأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا هديٍ. وفي هذا جمعٌ بين ما فعله وبين ما ودَّه وتمنَّاه، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والآخر بتمنِّيه ووِداده له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجرَ ما نواه من الموافقة وتمنَّاه. وكيف يكون نسكٌ يتخلَّله التَّحلُّل لم يَسُقْ فيه الهدي أفضلَ من نسكٍ٤ لم يتخلَّله تحلُّلٌ، وقد ساق فيه مائة بدنةٍ؟ وكيف يكون نسكٌ أفضلَ في حقِّه من نسكٍ

  1. (١) «لأحرم» ساقطة من مب، المطبوع، فأصبح الكلام بدون جواب الشرط.
  2. (٢) رواه البخاري (١٥٨٦) ومسلم (١٣٣٣).
  3. (٣) في المطبوع: «فهذا».
  4. (٤) «يتخلله ... نسك» ساقطة من ص بسبب انتقال النظر.
176

اختاره الله له، وأتاه الوحي من ربِّه به؟

فإن قيل: والتَّمتُّع وإن تخلَّله تحلُّلٌ لكن قد تكرَّر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادةٌ محبوبةٌ للرَّبِّ، والقِران لا يتكرَّر فيه الإحرام.

قيل: في تعظيم شعائر الله بسوقِ الهدي والتَّقرُّبِ إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرَّد تكرُّر١ الإحرام، ثمَّ إنَّ استدامته قائمةٌ مقام تكرُّره، وسَوق الهدي لا مقابلَ له يقوم مقامه.

فإن قيل: فأيُّما أفضل: إفرادٌ يأتي عقيبَه بالعمرة، أو تمتُّعٌ يحلُّ منه ثمَّ يحرم بالحجِّ عقيبه؟

قيل: معاذَ الله أن نظنَّ أنَّ نسكًا قطُّ أفضل من النُّسك الذي اختاره الله٢ لأفضل الخلق وساداتِ الأمَّة، وأن نقول في نسكٍ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحدٌ من أصحابه الذين حجُّوا معه، بل ولا غيرهم من الصحابة: إنَّه أفضل ممَّا فعلوه معه بأمره، فكيف يكون حجٌّ على وجه الأرض أفضل من الحجِّ الذي حجَّه صلوات الله وسلامه عليه، أو أمر به أفضلُ الخلق واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه، وودَّ أنَّه كان فعله؟ فلا حجَّ قطُّ أكمل من هذا. وهذا وإن صحَّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتَّمتُّع، ففي جواز خلافه نظرٌ. ولا يُوحِشنَّك قلَّةُ القائلين بوجوب ذلك، فإنَّ فيهم٣ البحرَ الذي لا يُنزَف عبد الله بن عبَّاسٍ وجماعةً من أهل الظَّاهر،

  1. (١) ك، ص، ج: «تكرار». والمثبت من ق، مب.
  2. (٢) في جميع النسخ: «رسول الله». والسياق يقتضي ما أثبتناه، وهو كذلك في المطبوع.
  3. (٣) ق: «فيه». ب: «منهم».
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي