فلنرجع إلى سياق حجَّته ﷺ: ولبَّدَ رسول الله ﷺ رأسَه بالغِسْل١. وهو بالغين المعجمة على وزن كِفْلٍ، وهو ما يُغسل به الرَّأس من خِطْميِّ أو نحوه يُلبَّد٢ به الشَّعر حتَّى لا ينتشر.
وأهلَّ في مصلَّاه، ثمَّ ركب على ناقته فأهلَّ أيضًا، ثمَّ أهلَّ لمَّا استقلَّت به على البيداء. قال ابن عبَّاسٍ: وَايْمُ اللهِ لقد أوجب في مصلَّاه، وأهلَّ حين استقلَّت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء٣. وكان يهلُّ بالحجِّ والعمرة تارةً٤، وبالحجِّ تارةً؛ لأنَّ العمرة جزءٌ منه، فمن ثمَّ قيل: قرن، وقيل: تمتَّع، وقيل: أفرد.
قال ابن حزمٍ٥: وكان ذلك قبل الظُّهر بيسيرٍ. وهذا وهمٌ منه، والمحفوظ أنَّه إنَّما أهلَّ بعد صلاة الظُّهر، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنَّ إحرامه كان قبل الظُّهر، ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابن عمر: ما أهلَّ رسول الله ﷺ
(١) رواه أبو داود (١٧٤٨)، وروايته: «العَسَل» بفتح المهملتين. قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٥٠٤): ضبطناه في روايتنا في «سنن أبي داود» بالمهملتين. انتهى. وإسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق، فلم يصرح بالتحديث. انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٤٥).
(٢) ق، ب، مب: «يلبس».
(٣) رواه أحمد (٢٣٥٨) وأبو داود (١٧٧٠) والحاكم (١/ ٤٥١). وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن الجزري، فيه لين. انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٥٠).
(٤) «تارة» ليست في ك.
(٥) في «حجة الوداع» (ص ١١٥).
إلا من عند الشَّجرة حينَ قام به بعيره، وقد قال أنس: إنَّه صلَّى الظُّهر ثمَّ ركب. والحديثان في «الصَّحيح»١، فإذا جمعتَ أحدهما إلى الآخر تبيَّن أنَّه إنَّما أهلَّ بعد صلاة الظُّهر.
ثمَّ لبَّى فقال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريكَ لك»٢، ورفع صوته بهذه التَّلبية حتَّى سمعها أصحابه٣، وأمرهم بأمر الله له٤ أن يرفعوا أصواتهم بالتَّلبية٥.
وكان حجُّه على رَحْلٍ، لا في مَحْمِلٍ ولا هَودجٍ ولا عمَّاريَّةٍ٦، وزامِلتُه تحته. وقد اختُلِف في جواز ركوب المحرم في٧ المحمل والهودج
(١) حديث ابن عمر رواه مسلم (١١٨٦/ ٢٤). وحديث أنس عند أحمد (١٣١٥٣) وأبي داود (١٧٧٤) والنسائي (٢٦٦٢)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٤/ ٣٧٩). تنبيه: لم أجد حديث أنس ﵁ باللفظ الذي ذكره المصنف إلا في السفر عند البخاري (١١١١) ومسلم (٧٠٤/ ٤٦).
(٢) رواه البخاري (٥٩١٥) ومسلم (١١٨٤/ ٢١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) ك: «الناس».
(٤) «له» ليست في ق.
(٥) رواه أحمد (١٦٥٦٧) وأبو داود (١٨١٤) والترمذي (٨٢٩) والنسائي (٢٧٥٣) وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن يزيد ﵁. وصححه الترمذي وابن خزيمة (٢٦٢٥) وابن حبان (٣٨٠٢) والحاكم (١/ ٤٥٠) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٧٩).
(٦) هي الكَجَاوة بالفارسية بمعنى الهودج والمحمل، وقد سبق (ص ١٢٩).