إلا من عند الشَّجرة حينَ قام به بعيره، وقد قال أنس: إنَّه صلَّى الظُّهر ثمَّ ركب. والحديثان في «الصَّحيح»١، فإذا جمعتَ أحدهما إلى الآخر تبيَّن أنَّه إنَّما أهلَّ بعد صلاة الظُّهر.
ثمَّ لبَّى فقال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريكَ لك»٢، ورفع صوته بهذه التَّلبية حتَّى سمعها أصحابه٣، وأمرهم بأمر الله له٤ أن يرفعوا أصواتهم بالتَّلبية٥.
وكان حجُّه على رَحْلٍ، لا في مَحْمِلٍ ولا هَودجٍ ولا عمَّاريَّةٍ٦، وزامِلتُه تحته. وقد اختُلِف في جواز ركوب المحرم في٧ المحمل والهودج
(١) حديث ابن عمر رواه مسلم (١١٨٦/ ٢٤). وحديث أنس عند أحمد (١٣١٥٣) وأبي داود (١٧٧٤) والنسائي (٢٦٦٢)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٤/ ٣٧٩). تنبيه: لم أجد حديث أنس ﵁ باللفظ الذي ذكره المصنف إلا في السفر عند البخاري (١١١١) ومسلم (٧٠٤/ ٤٦).
(٢) رواه البخاري (٥٩١٥) ومسلم (١١٨٤/ ٢١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) ك: «الناس».
(٤) «له» ليست في ق.
(٥) رواه أحمد (١٦٥٦٧) وأبو داود (١٨١٤) والترمذي (٨٢٩) والنسائي (٢٧٥٣) وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن يزيد ﵁. وصححه الترمذي وابن خزيمة (٢٦٢٥) وابن حبان (٣٨٠٢) والحاكم (١/ ٤٥٠) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٧٩).
(٦) هي الكَجَاوة بالفارسية بمعنى الهودج والمحمل، وقد سبق (ص ١٢٩).
(٧) «المحرم في» ليست في ك.
والعمَّاريَّة ونحوها على قولين، هما روايتان عن أحمد، أحدهما: الجواز، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة. والثَّاني: المنع، وهو مذهب مالك.
فصل
ثمَّ إنَّه ﷺ خيَّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثَّلاثة، ثمَّ ندبَهم عند دنوِّهم من مكَّة إلى فسخ الحجِّ والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هديٌ، ثمَّ حتَّم ذلك عليهم عند المروة.
وولدتْ أسماء بنت عُمَيس زوجةُ أبي بكر الصديق بذي الحليفة محمدَ بن أبي بكر، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل، وتستثفر بثوبٍ وتُحرِم وتُهلَّ١. وكان في قصَّتها ثلاث سننٍ، إحداها: غُسل المحرم، والثَّانية: أنَّ الحائض تغتسل لإحرامها، والثَّالثة: أنَّ الإحرام يصحُّ من الحائض.
ثمَّ سار٢ رسول الله ﷺ وهو يلبِّي بتلبيته المذكورة، والنَّاس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يُقِرُّهم ولا ينكر عليهم٣، ولزم تلبيته.
فلمَّا كانوا بالرَّوحاء رأى حمار وحشٍ عَقِيرًا، فقال: «دعُوه فإنَّه يوشك أن يأتي صاحبه»، فجاء صاحبه إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه، شأنَكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسَّمه بين الرِّفاق٤.
(١) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) و(١٢١٠/ ١١٠) من حديث جابر ﵁.
(٢) ك: «ساق»، تحريف.
(٣) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧).
(٤) رواه مالك (١٠٠٨) والنسائي (٢٨١٨)، وصححه ابن خزيمة كما في «الفتح» (٤/ ٤٤) وابن حبان (٥١١١). والحديث صحيح، ولكن اختلف هل الحديث من مسند البهزي ﵁ أو من مسند عمير بن سلمة ﵁؟ والصواب رواية من جعله من مسند عمير بن سلمة ﵁. انظر: «مسند الموطأ» للجوهري (ص ٦٠٥) و«علل الدارقطني» (١٣/ ٢٨٧ - ٣٠٣) و«التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ٣٤١ - ٣٤٣).