وفي هذا دليلٌ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يَصِدْه لأجله١. وأمَّا كونُ صاحبه لم يُحرِم، فلعلَّه لم يمرَّ بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصَّته. وتدلُّ هذه القصَّة على أنَّ الهبة لا تفتقر إلى لفظ «وهبتُ»، بل تصحُّ بكل لفظٍ٢ يدلُّ عليها. وتدلُّ على قسمة اللَّحم مع عظامه بالتَّحرِّي٣، وتدلُّ على أنَّ الصَّيد يُملَك بالإثبات وإزالة امتناعه، وأنَّه لمن أثبته لا لمن أخذه، وعلى حِلِّ أكل الحمار الوحشيِّ، وعلى التَّوكيل في القسمة، وعلى كون القاسم واحدًا.
فصل
ثمَّ مضى حتَّى إذا كان بالأُثاية بين الرُّوَيثة والعَرْج إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ، فأمر رجلًا أن يقف عنده، لا يَرِيبه أحدٌ من النَّاس حتَّى يُجاوِز٤.
والفرق بين قصَّة الظَّبي وقصَّة الحمار: أنَّ الذي صاد الحمار كان حلالًا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنَّه حلالٌ وهم محرمون، فلم يأذن
(١) ك، ج: «من أجله».
(٢) ق، ص، ب، مب: «بلفظ».
(٣) ج: «بالتجزي».
(٤) في المطبوع: «يجاوزوا». والحديث قطعة من الحديث السابق.
لهم في أكله، ووكَّل من يقف عنده لئلَّا يأخذه أحدٌ حتَّى يجاوز. وفيه دليلٌ على أنَّ قتل المحرم للصَّيد يجعله بمنزلة الميتة في عدم الحلِّ، إذ لو كان حلالًا لم يضيّع ماليَّته.
فصل
ثمَّ سار حتَّى إذا نزل بالعَرْج، وكانت زَمالته وزَمالة١ أبي بكر واحدةً، وكانت مع غلامٍ لأبي بكر، فجلس رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى جانبه، وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظر الغلام والزاملة٢، إذ طلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللتُه البارحةَ، فقال أبو بكر: بعيرٌ واحدٌ تُضِلُّه! قال: فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسَّم، ويقول: «انظروا إلى هذا المحرِم ما يصنع»، وما يزيد رسول الله ﷺ على أن يقول ذلك ويتبسَّم٣.
ومن تراجم أبي داود على هذه القصَّة: باب المحرِم يؤدِّب.
فصل
ثمَّ مضى رسول الله ﷺ، حتَّى إذا كان بالأبواء أهدى له الصَّعب بن جَثَّامة عجُزَ حمارِ وَحْشٍ٤، فردَّه عليه وقال: «إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنَّا
(١) ك: «زاملته وزاملة». وقد وردت الرواية باللفظين كما ذكر ابن خزيمة (٢٦٧٩).
(٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «والزمالة».
(٣) رواه أحمد (٢٦٩١٦) أبو داود (١٨١٨) وابن ماجه (٢٩٣٣) وابن خزيمة (٢٦٧٩) والحاكم (١/ ٤٥٣). فيه عنعنة محمد بن إسحاق.