زاد المعاد

قال الطَّبريُّ في «حجَّة الوداع»١ له: فلمَّا كان في بعض الطَّريق اصطاد أبو قتادة حمارًا وحشيًّا، ولم يكن محرمًا، فأحلَّه النَّبيُّ ﷺ لأصحابه بعد أن سألهم: هل أمره أحدٌ منكم بشيءٍ أو أشار إليه؟ وهذا وهمٌ منه ﵀، فإنَّ قصَّة أبي قتادة إنَّما كانت عام الحديبية، هكذا في «الصَّحيحين»٢ من حديث عبد الله ابنه عنه قال: انطلقنا مع النَّبيِّ ﷺ عامَ الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أُحرِم. فذكر قصَّة الحمار الوحشيِّ.

فصل

فلمَّا مرَّ بوادي عُسْفان، قال: «يا أبا بكر، أيُّ وادٍ هذا؟»، قال: وادي عُسفان. قال: «لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ على بَكْرينِ أحمرين خُطُمُهما اللِّيفُ، وأُزُرُهم العَباء، وأَرديتهم النِّمار، يلبُّون يحجُّون البيت العتيق». ذكره الإمام أحمد في «المسند»٣.

فلمَّا كان بسَرِف حاضت عائشة، وقد كانت أهلَّت بعمرةٍ، فدخل عليها النَّبيُّ ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يُبكِيك لعلَّكِ نُفِسْتِ؟»، قالت: نعم، قال: «هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاجُّ، غيرَ أن لا

  1. (١) «صفوة القِرى» لمحب الدين الطبري (ص ٢٣) والنص كذلك في «القِرى» له (ص ٢١٨).
  2. (٢) رواه البخاري (١٨٢٢) ومسلم (١١٩٦/ ٥٩).
  3. (٣) برقم (٢٠٦٧) من حديث ابن عباس ﵄ . وفي إسناده زمعة بن صالح متكلم فيه، وسلمة بن وهرام مختلف فيه. انظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (٢٠٦٧).
204

تطوفي بالبيت»١.

وقد تنازع العلماء في قصَّة عائشة: هل كانت متمتِّعةً أو مفردةً؟ وإذا كانت متمتِّعةً فهل رفضتْ عمرتها وانتقلتْ إلى الإفراد، أو أدخلتْ عليها الحجَّ وصارت قارنةً؟ وهل العمرة الَّتي أتت بها من التَّنعيم كانت واجبةً أم لا؟ وإذا لم تكن واجبةً فهل هي مجزئةٌ عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلفوا أيضًا في موضع حيضها، وموضع طهرها، ونحن نذكر البيان الشَّافي في ذلك بحول الله وتوفيقه.

واختلف الفقهاء في مسألةٍ مبنيَّةٍ على قصَّة عائشة، وهي أنَّ المرأة إذا أحرمت بالعمرة، فحاضت ولم يمكنها الطَّواف قبل التَّعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتُهلُّ بالحجِّ مفردًا، أو تُدخِل الحجَّ على العمرة وتصير قارنةً؟ فقال بالقول الأوَّل فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثَّاني: فقهاء الحجاز، منهم: الشَّافعيُّ ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه.

قال الكوفيُّون: ثبت في «الصَّحيحين»٢ عن عروة عن عائشة أنَّها قالت: أهللنا بعمرةٍ، فقدمتُ مكَّة وأنا حائضٌ، لم أطف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ، ودَعي العمرة». قالت: ففعلتُ. فلمَّا قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ إلى التَّنعيم، فاعتمرت

  1. (١) رواه البخاري (٣٠٥) ومسلم (١٢١١/ ١٢٠).
  2. (٢) رواه البخاري (١٥٥٦) ومسلم (١٢١١/ ١١١).
205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي