ولم أطف حتَّى حضتُ، فنسكت المناسك كلَّها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ يوم النَّفر: «يسعُكِ طوافُك لحجِّكِ وعمرتكِ».
فهذه نصوصٌ صريحةٌ أنَّها كانت في حجٍّ وعمرةٍ لا في حجٍّ مفردٍ، وصريحةٌ في أنَّ١ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ، وصريحةٌ في أنَّها لم ترفض إحرام العمرة، بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحلَّ منه. وفي بعض ألفاظ الحديث٢: «كوني في عمرتك، فعسى الله أن يرزقكها». ولا يناقض هذا قولَه: «دعي عمرتك»، فلو كان المراد به رفْضها وتركها لما قال لها: «يسعُكِ طوافك لحجِّك وعمرتك»، فعُلم أنَّ المراد: دَعِي أعمالها، ليس المراد رفْض إحرامها.
وأمَّا قوله: «انقُضي رأسك وامتشطي»، فهذا ممَّا أعضلَ على النَّاس، ولهم فيه أربع٣ مسالك:
أحدها: أنَّه دليلٌ على رفض العمرة، كما قالت الحنفيَّة.
المسلك الثَّاني: أنَّه دليلٌ على أنَّه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليلَ من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزمٍ وغيره.
المسلك الثَّالث: تعليل هذه اللَّفظة، وردُّها بأنَّ عروة انفرد بها،
(١) «أن» ليست في ك. «في» ليست في ب، مب.
(٢) رواه البخاري (١٥٦٠) ومسلم (١٢١١/ ١٢٣) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ك، ج: «ثلاث».
وخالف١ بها سائر الرُّواة، وقد روى حديثها طاوسٌ والقاسم والأسود وعمرة٢، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه اللَّفظة. قالوا: وقد روى حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثَ حيضها في الحجِّ، فقال فيه: حدَّثني غير واحدٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «دعي عمرتك، وانقُضي رأسك وامتشطي»، وذكر تمام الحديث. قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ عروة لم يسمع هذه الزِّيادة من عائشة٣.
المسلك الرَّابع٤: أنَّ قوله «دعي العمرة» أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها٥. قالوا: ويدلُّ عليه وجهان:
أحدهما: قوله: «يسعُكِ طوافك لحجِّك وعمرتك».
الثَّاني: قوله: «كوني في عمرتك». قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها، لسلامته من التَّناقض.
قالوا: وأمَّا قوله: «هذه مكان عمرتك» فعائشة أحبَّت أن تأتي بعمرةٍ مفردةٍ، فأخبرها النَّبيُّ ﷺ أنَّ طوافها وقع عن حجّها وعمرتها، وأنَّ عمرتها قد دخلت في حجِّها، فصارت قارنةً، فأبتْ إلا عمرةً مفردةً كما قصدتْ أوَّلًا، فلمَّا حصل لها ذلك قال: «هذه مكان عمرتك».
(١) ك: «وخالفه».
(٢) في المطبوع: «وغيرهم» خلاف النسخ. وروايات هؤلاء عند مسلم (٢/ ٨٧٣ - ٨٧٩)، وسيأتي ذكرها.