وفي «صحيح مسلم»١ عن أسماء بنت أبي بكر: خرجنا محرِمين فقال رسول الله: «من كان معه هديٌ فليقُمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحللْ»، فحللتُ. وذكر٢ الحديث.
وفي «صحيح مسلم»٣ أيضًا عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرُخُ بالحجِّ صُراخًا، فلمَّا قدِمنا مكَّة أمرنا أن نجعلها عمرةً إلا من ساق الهدي. فلمَّا كان يوم التَّروية ورُحنا إلى منًى أهللنا بالحجِّ.
وفي «صحيح البخاريِّ»٤ عن ابن عبَّاسٍ قال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواجُ النَّبيِّ ﷺ في حجَّة الوداع وأهللنا، فلمَّا قدِمنا مكَّة قال رسول الله ﷺ: «اجعلوا إهلالكم بالحجِّ عمرةً إلا من قلَّد الهدي ...»، وذكر الحديث.
وفي «السُّنن»٥ عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا٦ بالحجِّ، فلمَّا قدِمنا مكَّة قال: «اجعلوا حجَّكم عمرةً». فقال النَّاس: يا رسول اللَّه، قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا
(١) برقم (١٢٣٦/ ١٩١).
(٢) كذا في النسخ بتذكير الفعل. والمرجع أحد الرواة وفي المطبوع: «وذكرت».
(٣) برقم (١٢٤٧).
(٤) برقم (١٥٧٢).
(٥) ابن ماجه (٢٩٨٢)، ورواه أيضًا أحمد (١٨٥٢٣)، وإسناده ضعيف لأجل عنعنة أبي إسحاق السبيعي واختلاطه، وبهذا أعله الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٧٥٣).
(٦) «فأحرمنا» ليست في ك.
ما آمرُكم به فافعلوه»، فردُّوا١ عليه القول، فغضب ثمَّ انطلق حتَّى دخل على عائشة غضبانَ، فرأتِ الغضبَ في وجهه، فقالت: من أغضبكَ أغضبه اللَّه، قال: «وما لي لا أغضبُ وأنا آمرُ أمرًا فلا أُتَّبَع».
ونحن نُشهِد الله علينا أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا علينا فسخَه إلى عمرةٍ، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ واتِّباعًا لأمره. فواللَّه ما نُسِخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صحَّ حرفٌ واحدٌ يعارضه، ولا خصَّ به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سُراقة أن سأله: هل ذلك مختصٌّ بهم؟ فأجابه بأنَّ ذلك كائنٌ لأبد الأبد، فما ندري ما نقدِّم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكَّد الذي قد غضب رسول الله ﷺ على من خالفه.
وللَّه درُّ٢ الإمام أحمد إذ يقول لسلمة بن شَبِيْب، وقد قال له٣: يا أبا عبد الله، كلُّ أمرك عندي حسنٌ إلا خلَّةً واحدةً، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة! كنتُ أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صِحاحًا عن رسول الله ﷺ، أتركُها لقولك؟!٤
وفي «السُّنن»٥ عن البراء بن عازبٍ: أنَّ عليًّا لمَّا قدِم على رسول الله
(١) ق، ب، مب: «فرددوا»، والمثبت من بقية النسخ موافق لما في المصادر.
(٢) «در» ليست في ج.
(٣) «وقد قال له» ليست في ص، ج.
(٤) رواه ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ١٦٨ - ١٦٩)
(٥) رواه أبو داود (١٧٩٧)، في إسناده عنعنة أبي إسحاق السبيعي، ولكن للحديث شواهد تقويه منها حديث جابر ﵁، انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٥١).