زاد المعاد

فطرِه، وصار الوقت في حقِّه وقت إفطارٍ. فهكذا هذا الذي قد١ طاف بالبيت، إمَّا أن يكون قد حلَّ حكمًا، وإمَّا أن يكون ذلك الوقت في حقِّه ليس وقتَ إحرامٍ، بل هو وقت حلٍّ ليس إلَّا، ما لم يكن معه هديٌ. وهذا صريح السُّنَّة.

وفي «صحيح مسلم»٢ أيضًا عن عطاء قال: كان ابن عبَّاسٍ يقول: لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ إلا حلَّ. وكان يقول بعد المعرَّف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النَّبيِّ ﷺ حين أمرهم أن يحلُّوا في حجَّة الوداع.

وفي «صحيح مسلم»٣ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هديٌ فليحلَّ الحلَّ كلَّه، فقد دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة».

وقال عبد الرزاق٤: ثنا معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: من جاء مُهِلًّا بالحجِّ فإنَّ الطَّواف بالبيت يصيِّره إلى عمرةٍ، شاء أو أبى. قلت: إنَّ النَّاس ينكرون ذلك عليك، قال: هي سنَّة نبيِّهم٥ وإن رَغِموا.

وقد روى هذا عن النِّبيِّ ﷺ من سمَّينا وغيرهم؛ وروى ذلك عنهم طوائفُ من كبار التَّابعين، حتَّى صار منقولًا نقلًا يرفع الشَّكَّ ويوجب اليقينَ،

  1. (١) «قد» ليست في ك.
  2. (٢) برقم (١٢٤٥).
  3. (٣) برقم (١٢٤١).
  4. (٤) رواه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص ٣٤٣) من طريقه.
  5. (٥) ك: «نبيكم».
228

ولا يمكن أحدًا أن ينكره أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله ﷺ، ومذهب حَبْر الأمَّة وبحرها ابن عبَّاسٍ وأصحابه، ومذهب أبي موسى الأشعريِّ، ومذهب إمام أهل السُّنَّة والحديث وأتباعه أحمد بن حنبلٍ، وأهل الحديث معه، ومذهب عبيد الله١ بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظَّاهر٢.

والَّذين خالفوا هذه الأحاديث لهم أعذارٌ:

العذر الأوَّل: أنَّها منسوخةٌ.

العذر الثَّاني: أنَّها مخصوصةٌ بالصَّحابة، لا يجوز لغيرهم مشاركتهم في حكمها.

العذر الثَّالث: معارضتها بما يدلُّ على خلاف حكمها.

هذا مجموع ما اعتذروا به عنها. ونحن نذكر هذه الأعذار عذرًا عذرًا، ونبيِّن ما فيها بمعونة الله وتوفيقه.

فأما العذر الأوَّل ــ وهو النَّسخ ــ فيحتاج إلى أربعة أمورٍ لم يأتوا منها بشيءٍ: إلى نصوصٍ أُخَر، ثم تكون تلك النُّصوص معارضةً لهذه، ثمَّ تكون مع المعارضة مقاومةً لها، ثمَّ يثبت تأخُّرها عنها.

قال المدَّعون للنَّسخ: قال عمر بن الخطاب السجستاني٣: ثنا الفاريابي، ثنا أبان بن أبي حازم، قال: حدَّثني أبو بكر بن حفص، عن ابن

  1. (١) في المطبوع: «عبد الله»، خطأ. انظر: «تهذيب التهذيب» (٧/ ٧).
  2. (٢) انظر: «حجة الوداع» لابن حزم (ص ٣٤٤).
  3. (٣) ج، ص، ب، مب: «السختياني». والمثبت من ق موافق لما في «حجة الوداع» (ص ٣٥٩).
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي