سئل عثمان عن متعة الحجِّ، فقال: كانت لنا، ليست لكم.
هذا مجموع ما استدلُّوا به على التَّخصيص بالصَّحابة.
قال المجوِّزون للفسخ والموجبون له: لا حجَّةَ لكم في شيءٍ من ذلك، فإنَّ هذه الآثار بين باطلٍ لا يصحُّ عمَّن نُسِب إليه البتَّة، وبين صحيحٍ عن قائلٍ غير معصومٍ لا تُعارَضُ به نصوصُ المعصوم.
أمَّا الأوَّل: فإنَّ المرقّع ليس ممَّن تقوم بروايته حجَّةٌ، فضلًا عن أن يُقدَّم على النُّصوص الصَّحيحة غير المرقَّعة١. قال أحمد بن حنبلٍ ــ وقد عورض بحديثه ــ: ومن المرقَّع الأسدي؟ وقد روى أبو ذر٢ عن النَّبيِّ ﷺ الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة. وغاية ما نُقل عنه ــ إن صحَّ ــ أنَّ٣ ذلك مختصٌّ بالصَّحابة فهو رأيه. وقد قال ابن عبَّاسٍ وأبو موسى الأشعريُّ: إنَّ ذلك عامٌّ للأمَّة. فرأيُ أبي ذر معارضٌ برأيهما، وسَلِمت النُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة.
(١) كذا في النسخ، ولا غبار عليه، وغيَّره في المطبوع بـ «المدفوعة».
(٢) ق، ص: «أبو داود». والمثبت من ك، ج.
(٣) «أن» ليست في ك.
ثمَّ من المعلوم أنَّ دعوى الاختصاص باطلةٌ بنصِّ النَّبيِّ ﷺ أنَّ تلك العمرة الَّتي وقع السُّؤال عنها وكانت عمرةَ فسخٍ لأبدِ الأبد، لا تختصُّ بقرنٍ دون قرنٍ، وهذا أصحُّ سندًا من المرويِّ عن أبي ذر، وأولى أن يؤخذ به منه لو صحَّ عنه.
وأيضًا، فإذا رأينا أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا في أمرٍ صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه فعله أو أمر به، فقال بعضهم: هو منسوخٌ أو خاصٌّ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخَه أو اختصاصه مخالفٌ للأصل، فلا يُقبل إلا ببرهانٍ، وأقلُّ ما في الباب معارضتُه بقول من ادَّعى بقاءه وعمومه، والحجَّة تَفصِل بين المتنازعين، والواجب الردُّ عند التَّنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إنَّ الفسخ منسوخٌ أو خاصٌّ، وقال أبو موسى وعبد الله بن عبَّاسٍ: إنَّه باقٍ وحكمه عامٌّ، فعلى من ادَّعى النَّسخ والاختصاصَ الدَّليلُ.
وأمَّا حديثه المرفوع ــ حديث بلال بن الحارث ــ فحديثٌ لا يثبت١، ولا يُعارَض بمثله٢ تلك الأساطين الثَّابتة.
قال عبد الله بن أحمد٣: كان أبي يرى للمهلِّ بالحجِّ أن يفسخ حجَّه إذا طاف بالبيت وبين الصَّفا والمروة. وقال في المتعة: هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ. وقال ﷺ: «اجعلوا حجَّكم عمرةً». قال عبد الله: فقلت لأبي:
(١) في المطبوع: «لا يكتب» خلاف النسخ.
(٢) ك: «به».
(٣) رواه من طريقه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص ٣٧١)، ولم أجد في «مسائله» (ص ٢٠٤) إلا فقرة منه، وانظر: «شرح العمدة» (٤/ ٣٤٩).