حُصينٍ، ففي «الصَّحيحين»١ ــ واللَّفظ للبخاريِّ ــ: تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال رجلٌ برأيه ما شاء.
ولفظ مسلم٢: نزلت آية المتعة في كتاب الله ﷿، يعني متعة الحجِّ، وأمر بها رسول الله ﷺ، ثمَّ لم تنزل آيةٌ تنسخ متعة الحجِّ، ولم ينهَ عنها رسول الله ﷺ حتَّى مات. قال رجلٌ برأيه ما شاء. وفي لفظٍ٣: يريد عمر.
وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها وقال له إنَّ أباك نهى عنها: أفرسولُ٤ الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أو أبي؟٥.
وقال ابن عبَّاسٍ لمن كان يعارضه فيها بأبي بكر وعمر: يُوشِك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السَّماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون٦: قال أبو بكر وعمر!٧.
(١) رواه البخاري (١٥٧١) ومسلم (١٢٢٦/ ١٧٠) من حديث عمران بن حصين ﵄ .
(٢) برقم (١٢٢٦/ ١٧٢).
(٣) برقم (١٢٢٦/ ١٦٦).
(٤) في المطبوع: «أأمر رسول». والمثبت من النسخ كما في «مسند أحمد» (٥٧٠٠) والبيهقي (٥/ ٢١).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) ك، ج: «وتقولوا».
(٧) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٠/ ٢١٥، ٢٦/ ٥٠، ٢٨١) والمؤلف في «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٦٣). وسيأتي بلفظ آخر يخرج هناك.
فهذا جواب العلماء، لا جواب من يقول عثمان وأبو ذر أعلمُ برسول الله ﷺ منكم، فهلَّا قال ابن عبَّاسٍ وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلمُ برسول الله ﷺ منَّا، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة ولا من التَّابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍّ عن رسول الله ﷺ، وهم كانوا أعلمَ بالله ورسوله وأتقى له من أن يقدِّموا على قول المعصوم رأيَ غير المعصوم. ثمَّ قد ثبت النَّصُّ عن المعصوم بأنَّها باقيةٌ إلى يوم القيامة، وقد قال ببقائها: عليُّ بن أبي طالبٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن عمر، وابن عبَّاسٍ، وأبو موسى، وسعيد بن المسيَّب، وجمهور التَّابعين١.
ويدلُّ على أنَّ ذلك رأيٌ محضٌ لا يُنسَب إلى أنَّه مرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ: أنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ لمَّا نهى عنها قال له أبو موسى الأشعريُّ: يا أمير المؤمنين! ما أحدثتَ في شأن النُّسك؟ فقال: إن نأخذ بكتاب ربِّنا فإنَّ الله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٩٦]، وإن نأخذ بسنَّة رسول الله ﷺ فإنَّ رسول الله ﷺ لم يحلَّ حتَّى نحر. فهذا اتِّفاقٌ من أبي موسى وعمر على٢ أنَّ منع الفسخ إلى المتعة أو الإحرام بها ابتداءً إنَّما هو رأيٌ منه أحدثَه في النُّسك، ليس عن رسول الله ﷺ. وإن استدلَّ له بما استدلَّ. وأبو موسى كان يفتي النَّاس بالفسخ في خلافة أبي بكر كلِّها، وصدرًا من خلافة عمر، حتَّى فاوض عمر في نهيه عن ذلك، واتَّفقا على أنَّه رأيٌ أحدثه عمر في النُّسك، ثمَّ صحَّ عنه الرُّجوعُ عنه.