وهذه المخالفة إمَّا ركنٌ كقول مالك، وإمَّا واجبٌ يَجبُره دمٌ، كقول أحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أحد القولين، وإمَّا سنَّةٌ كالقول الآخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس سنَّةٌ باتِّفاق المسلمين.
وكذلك قريشٌ كانت لا تقف بعرفة، بل تُفِيض من جَمْعٍ، فخالفهم النَّبيُّ ﷺ، ووقف بعرفاتٍ، وأفاض منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾[البقرة: ١٩٩]، وهذه المخالفة من أركان الحجِّ باتِّفاق المسلمين.
فالأمور الَّتي خالفَ٢ فيها المشركين هي الواجب أو المستحبُّ، ليس فيها مكروهٌ، فكيف يكون فيها محرَّمٌ؟ فكيف يقال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه بنسكٍ يخالف نُسكَ المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي٣ أمرهم به؟ أو يقال: من حجَّ كما حجَّ المشركون فلم يتمتَّع، فحجُّه أفضلُ من حجِّ السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار بأمر النبي ﷺ؟
الخامس: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيح»٤ عنه أنَّه قال: «دخلتِ العمرةُ في
(١) في المطبوع: «فلم نُفِض»، وجعله متصلًا بما قبله ضمن الحديث المرفوع. وليس كذلك.
(٢) في المطبوع: «نخالف».
(٣) «الذي» ليست في ص.
(٤) في المطبوع: «الصحيحين»، خطأ. فالحديث لم يروِه البخاري.
الحجِّ إلى يوم القيامة». وقيل له: عمرتُنا هذه لعامِنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لا١، بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة»٢.
وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحًا في حديث جابر في حديثه الطَّويل٣، قال: حتَّى إذا كان آخر طوافٍ٤ على المروة، قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، ولجعلتُها عمرةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلَّ وليجعلْها عمرةً». فقام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعَه واحدةً في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ» مرَّتين، «لا، بل لأبدِ الأبد٥».
وفي لفظٍ٦: «قدِم رسول الله ﷺ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجَّة، فأمرنا أن نحلَّ، قال: فقلنا٧: لمَّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ، أمرَنا أن نُفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفةَ تَقطُر مذاكيرنا المنيَّ» ... فذكر الحديث، وفيه: فقال سُراقة بن مالك: لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد».
(١) «لا» ليست في ك، ب، مب.
(٢) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) من حديث جابر ﵁.
(٣) هو الحديث السابق.
(٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «طوافه»، وكذا الرواية.
(٥) ص: «لأبد أبد».
(٦) رواه مسلم (١٢١٦/ ١٤١) من حديث جابر ﵁ .
(٧) كذا في النسخ، وليس في المطبوع «قال». وفي الرواية: «قال عطاء: قال: حِلُّوا وأصيبوا النساء ...، فقلنا».