زاد المعاد

العاشر: أنَّه أمر بالفسخ إلى المتعة١ من كان أفردَ ومن قرنَ ولم يَسُقِ الهدي. ومعلومٌ أنَّ القارن قد اعتمر في أشهر الحجِّ مع حجَّته، فكيف يأمره بفسخ قِرانه إلى عمرةٍ ليبيِّن له جواز العمرة في أشهر الحجِّ، وقد أتى بها وضَمَّ إليها الحجَّ؟

الحادي عشر: أنَّ فسخ الحجِّ إلى العمرة موافقٌ لقياس الأصول، لا مخالفٌ لها٢. فلو لم يَرِد به النَّصُّ لكان القياس يقتضي جوازه، فمجيئُ٣ النَّصِّ به على وفق القياس، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وقرَّره بأنَّ المحرم إذا التزم أكثر ممَّا كان لزمه جاز باتِّفاق الأئمَّة، فلو أحرم بالعمرة ثمَّ أدخل عليها الحجَّ جاز بلا نزاعٍ، وإذا أحرم بالحجِّ ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو حنيفة يجوِّز ذلك بناءً على أصله في أنَّ القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين.

قال٥: وهذا قياس الرواية المحكيَّة عن أحمد في القارن: أنَّه يطوف طوافين ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجَّ٦. فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرةٍ وحجٍّ، فكان ما التزمه بالفسخ

  1. (١) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «العمرة».
  2. (٢) في المطبوع: «له» خلاف النسخ.
  3. (٣) مب: «فيجيئ». وفي المطبوع: «فجاء».
  4. (٤) «ابن تيمية» ليس في ق، ب، مب والمطبوع. وكلامه في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٥٧).
  5. (٥) أي شيخ الإسلام في المصدر السابق.
  6. (٦) ص: «بالحج».
265

أكثر ممَّا كان عليه فجاز ذلك. ولمَّا كان أفضل كان مستحبًّا. وإنَّما أشكل هذا على من ظنَّ أنَّه فسخ حجًّا إلى عمرةٍ، وليس كذلك، فإنَّه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرةٍ مفردةٍ لم يجزْ بلا نزاعٍ، وإنَّما الفسخ جائزٌ لمن كان من نيَّته أن يحجَّ بعد العمرة، والمتمتِّع من حين يُحرِم بالعمرة فهو داخلٌ في الحجِّ، كما قال النَّبيُّ ﷺ: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ». ولهذا يجوز له أن يصوم الأيَّام الثَّلاثة من حين يحرم بالعمرة، فدلَّ على أنَّه في تلك الحال في الحجِّ. وأمَّا إحرامه بالحجِّ بعد ذلك، فكما يبدأ الجنب بالوضوء ثمَّ يغتسل بعده. وكذلك كان النَّبيُّ ﷺ يفعل إذا اغتسل للجنابة١، وقال للنِّسوة في غَسْل ابنته: «ابدأنَ بميامنِها ومواضعِ الوضوء منها»٢. فغَسْل مواضع الوضوء بعض٣ الغُسل.

فإن قيل: هذا باطلٌ لثلاثة أوجهٍ.

أحدها: أنَّه إذا فسخ استفاد بالفسخ حِلًّا٤ كان ممنوعًا منه بإحرامه الأوَّل، فهو دون ما التزمه.

الثَّاني: أنَّ النُّسك الذي كان قد التزمه أوَّلًا أكملُ من النُّسك الذي فسخ إليه، ولهذا لا يحتاج الأوَّل إلى جُبرانٍ، والَّذي يفسخ إليه يحتاج إلى هديٍ

  1. (١) ص، ج: «لجنابته». المطبوع: «من الجنابة». والمثبت من ق، مب موافق لما في «مجموع الفتاوى».
  2. (٢) رواه البخاري (١٦٧) ومسلم (٩٣٩/ ٤٣) من حديث أم عطية ﵁ .
  3. (٣) ك، ب، مب: «بعد»، وفي هامشها: «لعله قبل». وكلاهما تحريف.
  4. (٤) «حلا» ليست في ك.
266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي