زاد المعاد

فتوقَّفوا، ولأنَّه من المحال قطعًا أن يكون حجٌّ١ قطُّ أفضل من حجِّ٢ خير القرون وأفضلِ العالمين مع نبيِّهم ﷺ، وقد أمرهم كلَّهم بأن يجعلوها متعةً إلا من ساق الهدي، فمن المحال أن يكون غير هذا الحجِّ أفضلَ منه، إلا حجَّ من قرنَ وساق الهدي، كما اختاره الله لنبيِّه، فهذا هو الذي اختاره الله لنبيِّه، واختار لأصحابه التَّمتُّع، فأيُّ حجٍّ أفضل من هذين؟ ولأنَّه من المحال أن ينقلهم من النُّسك الفاضل إلى المفضول المرجوح، ولوجوهٍ أُخر كثيرةٍ ليس هذا موضعها، فرجحانُ هذا النُّسك أفضلُ من البقاء على الإحرام الذي يفوته٣ بالفسخ. وقد تبيَّن بهذا بطلان الوجه الثَّاني.

وأمَّا قولكم: إنَّه نُسكٌ مجبورٌ بالهدي، فكلامٌ باطلٌ من وجوهٍ:

أحدها: أنَّ الهدي في التمتُّع عبادةٌ مقصودةٌ هو من تمام النُّسك، وهو دم شُكرانٍ لا دم جُبرانٍ، وهو بمنزلة الأضحية للمقيم هي٤ من تمام عبادة هذا اليوم، فالنُّسك المشتمل على هذا الدَّم بمنزلة العيد المشتمل٥ على الأضحية، فإنَّه ما تُقرِّب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دمٍ سائلٍ.

وقد روى الترمذي وغيره٦ من حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق أنَّ النَّبيَّ ﷺ

  1. (١) في المطبوع: «تكون حجة».
  2. (٢) ق، ب، مب: «حجة». والمثبت من ك، ص، ج.
  3. (٣) ص: «يقرنه»، تحريف.
  4. (٤) في المطبوع: «وهو».
  5. (٥) ص، ج: «المشتملة».
  6. (٦) رواه الترمذي (٨٢٧) وابن ماجه (٢٩٢٤) واللفظ له، وفي إسناده انقطاع؛ فإن محمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع، لكن له شاهد يقويه. والحديث صححه ابن خزيمة (٢٦٣١) والحاكم (١/ ٤٥٠). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٥٠٠).
268

سئل: أيُّ الأعمال١ أفضل؟ فقال: «العَجُّ والثَّجُّ». والعجُّ: رفع الصَّوت بالتَّلبية، والثَّجُّ: إراقة دماء الهدي.

فإن قيل: يُمكن المفرِدَ أن يحصِّل هذه الفضيلة.

قيل: مشروعيتها إنَّما جاءت في حقِّ القارن والمتمتِّع، وعلى تقدير استحبابها في حقِّه فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتِّع والقارن؟

الوجه الثَّاني: أنَّه لو كان دم جبرانٍ لما جاز الأكل منه، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أكل من هَدْيه، فإنَّه أمر من كلِّ بدنةٍ ببَضْعةٍ فجُعِلت في قِدرٍ، فأكل من لحمها، وشرب من مَرَقها٢. وإن كان الواجب عليه سُبْعَ بدنةٍ، فإنَّه أكل من كلِّ بدنةٍ من المائة، والواجب فيها مُشاعٌ لم يتعيَّن بقسمةٍ.

وأيضًا، فإنَّه قد ثبت في «الصَّحيح»٣ أنَّه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهنَّ وكنَّ متمتِّعاتٍ، احتجَّ به الإمام أحمد، فثبت في «الصَّحيحين»٤ عن عائشة أنَّه أهدى عن نسائه، ثمَّ أرسل إليهنَّ من الهدي الذي ذبحه عنهنَّ.

وأيضًا، فإنَّ الله سبحانه قال فيما يُذبَح بمنًى من الهدايا٥: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا يتناول هديَ التمتُّع

  1. (١) في المطبوع: «الحج». والمثبت من النسخ، والرواية بالوجهين.
  2. (٢) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) من حديث جابر ﵁ .
  3. (٣) في المطبوع: «الصحيحين».
  4. (٤) البخاري (١٧٢٠) ومسلم (١٢١١/ ١٢٥).
  5. (٥) في المطبوع: «الهدي».
269

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي