الفاسخ فإنَّه لم ينقُص ممَّا التزمه، بل نقل نُسكَه إلى ما هو أكمل منه وأفضلُ وأكثرُ واجباتٍ، فبطل القياس على كلِّ تقديرٍ، وللَّه الحمد.
فصل
عُدنا إلى سياق حجَّته ﷺ. ثمَّ نهضَ ﷺ إلى أن نزل بذي طوًى، وهي المعروفة اليومَ١ بآبار الزَّاهر، فبات بها ليلةَ الأحد لأربعٍ٢ خلون من ذي الحجَّة، وصلَّى بها الصُّبح، ثمَّ اغتسل من يومه، ونهضَ إلى مكَّة، فدخلها نهارًا من أعلاها من الثنيَّة العليا الَّتي تُشرِف على الحجون، وكان في العمرة يدخل من أسفلها، وفي الحجَّ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها٣، ثمَّ سار حتَّى دخل المسجد وذلك ضحًى.
وذكر الطبرانيُّ٤ أنَّه دخله من باب بني عبد منافٍ، الذي يسمِّيه النَّاس اليوم باب بني شَيبة.
وذكر الإمام أحمد٥ أنَّه كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى استقبلَ البيتَ فدعا.
(١) في المطبوع: «الآن».
(٢) ك: «لأربعة».
(٣) رواه البخاري (١٥٧٤، ١٥٧٥) ومسلم (١٢٥٧/ ٢٢٣) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) في «الأوسط» (٤٩١) من حديث ابن عمر ﵄، وفي إسناده عبد الله بن نافع ومروان بن أبي مروان تكلم فيهما، وانظر: «البدر المنير» (٦/ ١٧٨) و«التلخيص الحبير» (٢/ ٢٤٣) و«مجمع الزوائد» (٣/ ٢٣٨).
(٥) برقم (١٦٥٨٧)، وفي إسناده عبد الرحمن بن طارق بن علقمة، وقد انفرد بالرواية عنه عبيد الله بن أبي يزيد المكي، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان. انظر تعليق المحققين على «المسند».
وذكر الطبرانيُّ١ أنَّه كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللَّهمَّ زِدْ بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً». ورُوِي عنه أنَّه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبِّر، ويقول: «اللَّهمَّ أنت السَّلام، ومنك السَّلام، فحيِّنا٢ ربَّنا بالسَّلام»٣. «اللَّهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ مَن حجَّه أو اعتمَره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا»٤، وهو مرسلٌ، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيِّب من عمر بن الخطَّاب يقوله.
فلمَّا دخل المسجد عَمَدَ إلى البيت، ولم يركع تحيَّة المسجد، فإنَّ تحيَّة المسجد الحرام الطَّواف، فلمَّا حاذى الحجر الأسود استلمه، ولم يزاحِمْ عليه، ولم يتقدَّم عنه إلى جهة الرُّكن اليمانيِّ، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتَّكبير كما يكبّر للصلاة٥، كما
(١) في «الكبير» (٣/ ١٨١)، و«الأوسط» (٦١٣٢) من حديث حذيفة بن أسيد﵁ -، وفي الإسناد عاصم بن سليمان الكوزي، قال عمرو الفلاس وابن عدي والساجي فيه: «كان يضع الحديث». انظر: «السلسلة الضعيفة» (٤٢١٥) و«دفاع عن الحديث النبوي» كلاهما للألباني (ص ٣٧).
(٢) ق، ب، مب: «حيّنا».
(٣) رواه أحمد في «العلل» (١٩٧) والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٩٤) والبيهقي (٥/ ٧٣) من قول عمر﵁ -، والأثر حسنه الألباني في «مناسك الحج والعمرة» (ص ٢٠)، وقال: «ولم يثبت عن النبي ﷺ هنا دعاء خاص، فيدعو بما تيسر له، وإن دعا بدعاء عمر ... فحسن لثبوته عنه ﵁».
(٤) روى هذا الدعاء البيهقي (٥/ ١١٨) عن ابن جريج مرسلًا، والحديث لا يثبت. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٤٢).