«﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾[البقرة: ١٥٨]، أَبدأُ بما بدأ الله به»١. وفي رواية للنسائيِّ٢: «ابدَؤوا» على الأمر. ثمَّ رَقِيَ عليه حتَّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك٣ وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه». ثمَّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرَّاتٍ.
وقام٤ ابن مسعودٍ على الصَّدع، وهو الشَّقُّ الذي في الصَّفا، فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا والَّذي لا إله غيره مقامُ الذي أُنزِلت عليه سورة البقرة. ذكره البيهقي٥.
ثمَّ نزل إلى المروة يمشي، فلمَّا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتَّى إذا جاوز الواديَ وأصعدَ مشى، هذا الذي صحَّ عنه، وذلك اليومَ قبل الميلين الأخضرين في أوَّل المسعى وآخره٦. والظَّاهر أنَّ الوادي لم يتغيَّر
(١) رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁ .
(٢) برقم (٢٩٦٢)، وهذه الرواية شاذة. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٥٠) و«الإرواء» (٤/ ٣١٧).
(٣) إلى هنا انتهى الخرم الكبير في نسخة م، الذي بدأ (ص ٥٦).
(٤) ك: «وقال»، خطأ.
(٥) في «السنن الكبرى» (٥/ ٩٥). وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي متكلم فيه. انظر: «تهذيب الكمال» (٣/ ١٩٨).
(٦) «وآخره» ليست في ق، ك، م، ب، مب.
عن وضعه، هكذا قال جابر عنه في «صحيح مسلم»١. وظاهر هذا: أنَّه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصَّفا والمروة؛ ليراه النَّاس، وليُشْرِف٣. ولم يطفْ رسول الله ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا.
قال ابن حزمٍ٤: لا تعارُضَ بينهما ; لأنَّ الرَّاكب إذا انصبَّتْ٥ به بعيرُه فقد انصبَّ كلُّه، وانصبَّت قدماه أيضًا مع سائر جسده.
وعندي في الجمع بينهما وجهٌ أحسنُ من هذا، وهو أنَّه سعى ماشيًا أوَّلًا، ثمَّ أتمَّ سعيه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي «صحيح مسلم»٦ عن أبي الطُّفيل قال: قلت لابن عبَّاسٍ: أخبِرْني عن الطَّواف بين الصَّفا والمروة راكبًا، أسنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومك يزعمون أنَّه سنَّةٌ، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إنَّ رسول الله ﷺ كثُر عليه النَّاس، يقولون هذا محمَّدٌ، حتى خرج العواتقُ من البيوت، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يُضْرَب النَّاسُ بين يديه. قال: فلمَّا كثُر عليه ركب، والمشيُ٧ أفضل.
(١) برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁ .
(٢) برقم (١٢٧٣/ ٢٥٥).
(٣) بعدها في المطبوع زيادة: «وليسألوه، فإن الناس قد غَشُوه. وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر»، وليست في جميع النسخ.
(٤) في «حجة الوداع» (ص ١٥٧).
(٥) كذا في عامة النسخ. وفي مب والمطبوع: «انصب».
(٦) برقم (١٢٦٤/ ٢٣٧).
(٧) بعدها في المطبوع: «والسعي». وليست في النسخ، ولكنها في الرواية.