أشواطٍ ... وذكر باقي الحديث. قال١: ولم نجد عدد الرَّمل بين الصَّفا والمروة منصوصًا، ولكنَّه متَّفقٌ عليه. هذا لفظه.
قلت: المتَّفق عليه السَّعي في بطن الوادي في الأشواط كلِّها، وأمَّا الرَّمل في الثَّلاثة الأول خاصَّةً، فلم يقلْه ولا نقلَه فيما نعلم غيرُه. وسألت شيخنا عنه، فقال: هذا من أغلاطه، وهو لم يحجَّ ﵀.
ويُشبِه هذا الغلطَ غلطُ من قال٢ إنَّه سعى أربع عشرة مرَّةً، فكان يحتسب٣ بذهابه ورجوعه مرَّةً واحدةً. وهذا غلطٌ عليه ﷺ، لم ينقله عنه٤ أحد، ولا قاله أحدٌ من الأئمَّة الذين اشتهرت٥ أقوالهم، وإن ذهب إليه بعض المتأخِّرين من المنتسبين إلى الأئمَّة٦.
وممَّا يبيِّن بطلان هذا القول أنَّه ﷺ لا خلافَ عنه أنَّه ختمَ سعيه بالمروة، ولو كان الذَّهاب والرُّجوع مرَّةً واحدةً لكان ختمه إنَّما يقع على الصَّفا.
(١) أي ابن حزم في المصدر السابق (ص ١٥٨).
(٢) ص، ج: «قاله».
(٣) ص، ج: «يحسب».
(٤) ق، مب: «لم يقله عنه». والمثبت من بقية النسخ.
(٥) ك: «استمرت»، تحريف.
(٦) منهم أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي، وأبو علي بن خيران، وأبو سعيد الإصطخري، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي من الشافعية، وابن جرير الطبري، ونسب إلى الطحاوي كما في «المناسك» للكرماني (١/ ٤٦٥) و«البحر العميق» لابن الضياء المكي (٣/ ١٢٨٤) إلا أن كلامه في «المختصر» أنها سبعة أشواط. وينظر: «المجموع» للنووي (٨/ ٩٦).
وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رَقِيَ عليها، واستقبل البيت، وكبَّر اللَّه ووحَّده، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلمَّا أكمل سعيه عند المروة أمر كلَّ من لا هديَ معه أن يحلَّ حتمًا ولا بدَّ، قارنًا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلُّوا الحلَّ كلَّه: من وطء النِّساء، والطِّيب، والمَخِيط١، وأن يبقَوا كذلك إلى يوم التَّروية، ولم يحلَّ هو من أجل هديه، وهناك قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرةً».
وقد روي أنَّه أحلَّ هو أيضًا، وهو غلطٌ قطعًا، قد بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
وهناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصِّرين مرَّةً٢، وهناك سأله سُراقة بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصَّةً أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد». ولم يحلَّ أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي. وأمَّا نساؤه ﷺ فأحللن، وكنَّ قارناتٍ، إلا عائشة فإنَّها لم تحلَّ من أجل تعذُّر الحلِّ عليها٣ بحيضها٤. وفاطمة حلَّت؛ لأنَّها لم يكن معها هديٌ، وعلي لم يحلَّ من أجل هديه. وأمرَ مَن أهلَّ بإهلالٍ كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هديٌ، وأن يحلَّ إن لم يكن معه هديٌ.
وكان يصلِّي مدَّةَ مُقامِه٥ إلى يوم التَّروية بمنزلهِ الذي هو نازلٌ فيه
(١) في المطبوع: «ولبس المخيط». والمثبت من النسخ.
(٢) رواه البخاري (١٧٢٨) ومسلم (١٣٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁ .