زاد المعاد

وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رَقِيَ عليها، واستقبل البيت، وكبَّر اللَّه ووحَّده، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلمَّا أكمل سعيه عند المروة أمر كلَّ من لا هديَ معه أن يحلَّ حتمًا ولا بدَّ، قارنًا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلُّوا الحلَّ كلَّه: من وطء النِّساء، والطِّيب، والمَخِيط١، وأن يبقَوا كذلك إلى يوم التَّروية، ولم يحلَّ هو من أجل هديه، وهناك قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرةً».

وقد روي أنَّه أحلَّ هو أيضًا، وهو غلطٌ قطعًا، قد بيَّنَّاه فيما تقدَّم.

وهناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصِّرين مرَّةً٢، وهناك سأله سُراقة بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصَّةً أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد». ولم يحلَّ أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي. وأمَّا نساؤه ﷺ فأحللن، وكنَّ قارناتٍ، إلا عائشة فإنَّها لم تحلَّ من أجل تعذُّر الحلِّ عليها٣ بحيضها٤. وفاطمة حلَّت؛ لأنَّها لم يكن معها هديٌ، وعلي لم يحلَّ من أجل هديه. وأمرَ مَن أهلَّ بإهلالٍ كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هديٌ، وأن يحلَّ إن لم يكن معه هديٌ.

وكان يصلِّي مدَّةَ مُقامِه٥ إلى يوم التَّروية بمنزلهِ الذي هو نازلٌ فيه

  1. (١) في المطبوع: «ولبس المخيط». والمثبت من النسخ.
  2. (٢) رواه البخاري (١٧٢٨) ومسلم (١٣٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁ .
  3. (٣) «عليها» ليست في ك.
  4. (٤) في المطبوع: «لحيضها».
  5. (٥) بعدها في المطبوع: «بمكة». وليست في النسخ.
283

بالمسلمين بظاهر مكَّة، فأقام١ أربعة أيَّامٍ يقصُر الصَّلاة يوم الأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فلمَّا كان يوم الخميس ضحًى توجَّه بمن معه من المسلمين إلى منًى، فأحرم بالحجِّ من كان أحلَّ منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد، فأحرموا منه، بل أحرموا ومكَّة خلفَ ظهورهم، فلمَّا وصل إلى منًى فنزلَ٢ بها، وصلَّى بها الظُّهر والعصر، وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلمَّا طلعت الشَّمس سار منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضَبٍّ على يمين طريقِ النَّاس اليوم، وكان من الصحابة الملبِّي، ومنهم المكبِّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء٣. فوجد القبَّة قد ضُرِبت له بنَمِرةَ بأمره٤، وهي قريةٌ شرقيَّ عرفاتٍ٥، وهي خرابٌ اليومَ، فنزل فيها، حتَّى إذا زالت الشَّمس أمر بناقته القصواء فرُحِلتْ، ثمَّ سار٦ حتَّى أتى بطنَ الوادي من أرض عُرَنَة، فخطب النَّاسَ وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرَّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشِّرك والجاهليَّة، وقرَّر فيها تحريم المحرَّمات الَّتي اتِّفقت الملل على تحريمها، وهي الدِّماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهليَّة تحت قدميه٧،

ووضع فيها ربا الجاهليَّة كلَّه وأبطله، وأوصاهم

  1. (١) بعدها في ب، مب، المطبوع: «بظاهر مكة». وليست في بقية النسخ، وهو تكرار لما سبق.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «نزل».
  3. (٣) رواه البخاري (٩٧٠) ومسلم (١٢٨٥/ ٢٧٤) من حديث أنس ﵁ .
  4. (٤) «بأمره» ليست في ص.
  5. (٥) كذا في النسخ، والصواب: «غربيّ عرفات»، كما صوَّبه الشيخ ابن باز، انظر: «التعليقات البازية» (ص ٢٥٤).
  6. (٦) «ثم سار» ليست في ك.
  7. (٧) ك: «قدمه» ..
284

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي