بالنِّساء خيرًا، وذكر الحقَّ الذي لهنَّ وعليهنَّ، وأنَّ الواجب لهنَّ الرِّزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدِّر ذلك بتقديرٍ١، وأباح للأزواج ضَرْبهنَّ إذا أدخلن إلى بيوتهنَّ من يكرهه أزواجهنَّ، وأوصى الأمَّة فيها بالاعتصام بكتاب اللَّه، وأخبر أنَّهم لن يضلُّوا ما داموا معتصمين به٢، ثمَّ أخبرهم أنَّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم: ماذا يقولون، وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فرفع إصبعه إلى السَّماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرَّاتٍ، وأمرهم٣ أن يبلِّغ شاهدُهم غائبَهم٤.
قال ابن حزمٍ٥: فأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية ــ وهي أمُّ عبد الله بن عبَّاسٍ ــ بقَدَح لبنٍ، فشربه أمام النَّاس وهو على بعيره، فلمَّا أتمَّ الخطبة أمر بلالًا فأقام الصَّلاة.
وهذا من وهمه ﵀، فإنَّ قصَّة شُربه٦ إنَّما كانت بعد هذا، حين سار إلى عرفة ووقفَ بها، هكذا جاء في «الصَّحيحين»٧ مصرَّحًا به عن ميمونة: أنَّ النَّاس شكُّوا في صيام النبيِّ ﷺ يومَ عرفة، فأرسلتْ إليه بحِلابٍ وهو واقفٌ في الموقف، فشرِب منه والنَّاس ينظرون. وفي لفظٍ: وهو واقفٌ بعرفة.
(١) ص، ج: «بقدر». والمثبت من بقية النسخ.
(٢) «به» ليست في ك.
(٣) «هم» ليست في ص.
(٤) كما في حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨).
(٥) في «حجة الوداع» (ص ١٢٠).
(٦) بعدها في المطبوع: «اللبن». وليست في النسخ.
(٧) رواه البخاري (١٩٨٩) ومسلم (١١٢٣،١١٢٤) من حديث ميمونة ﵁ .
وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنَّه خطب بعُرَنَة١، وليست من الموقف، وهو ﷺ نزل بنَمِرَة، وخطب بعُرَنَة، ووقف بعرفة، وخطب خطبةً واحدةً، لم تكن خطبتين جلس بينهما، فلمَّا أتمَّها أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ أقام٢، فصلَّى الظُّهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة. فدلَّ على أنَّ المسافر لا يصلِّي جمعةً، ثمَّ أقام فصلَّى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكَّة، وصلَّوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريبٍ، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. ومن قال: إنَّه قال لهم: «أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» فقد غلِطَ عليه٣ غلطًا بيِّنًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنَّما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكَّة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين٤.
ولهذا كان أصحُّ أقوال العلماء: إنَّ أهل مكَّة يقصُرون ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النَّبيِّ ﷺ، وفي هذا أوضحُ دليلٍ على أنَّ سفر القصر لا يتحدَّد بمسافةٍ معلومةٍ، ولا بأيَّامٍ٥، ولا تأثيرَ للنُّسك في قصر الصَّلاة البتَّةَ، وإنَّما التَّأثير لما جعله الله سببًا وهو السَّفر. هذا مقتضى السُّنَّة، ولا وجهَ لما ذهب إليه المحدِّدون.
فلمَّا فرغ من صلاته ركب حتَّى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند
(١) مب، ص: «بعرفة»، تصحيف.
(٢) بعدها في المطبوع: «الصلاة». وليست في النسخ.
(٣) في المطبوع: «فيه». والمثبت من النسخ.
(٤) رواه أبوداود (١٢٢٩) من حديث عمران بن حصين، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان متكلم فيه. وانظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ٣٤).