عبَّاسٍ والمِسْور بن مَخْرمة، ففَصَلَ بينهما أبو أيُّوب الأنصاريُّ بأنَّ النبي ﷺ اغتسل وهو محرِمٌ١. واتَّفقوا على أنَّه يغتسل من الجنابة، ولكن كره مالك أن يغيِّب رأسه في الماء؛ لأنَّه نوع سَتْرٍ له، والصَّحيح أنَّه لا بأس به، فقد فعله عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاسٍ٢.
الحكم السَّادس: أنَّ المحرم غير ممنوعٍ من الماء والسِّدر. وقد اختُلِف في ذلك، فأباحه الشَّافعيُّ وأحمد في أظهر الرِّوايتين عنه، ومنع منه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل افتدى٣. وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعلَ فعليه صدقةٌ.
وللمانعين ثلاث عللٍ:
إحداها: أنَّه يقتل الهوامَّ من رأسه، وهو ممنوعٌ من التَّفلِّي.
الثَّالثة: أنَّه يستلذُّ٥ رائحته، أشبهَ٦ الطِّيب، ولا سيَّما الخطميُّ.
والعلل الثَّلاث واهيةٌ جدًّا، والصَّواب جوازه للنصِّ، ولم يحرِّم الله ورسوله٧ على المحرم إزالةَ الشَّعَث بالاغتسال، ولا قتلَ القَمْل، وليس
(١) رواه البخاري (١٨٤٠) ومسلم (١٢٠٥/ ٩١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٣).
(٣) كذا في أكثر النسخ، وهو الصواب. وفي مب والمطبوع: «أهدى»، خطأ.
(٤) ق، ص: «فينافي».
(٥) ص، ج، م: «تستلذ».
(٦) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فأشبه».
(٧) ك: «ولا رسوله».
السِّدر من الطِّيب في شيءٍ.
الحكم السَّابع: أنَّ الكفن مقدَّمٌ على الميراث وعلى الدَّين؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أمر أن يكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دَينٍ عليه، ولو اختلف الحال لسأل. وكما أنَّ كسوته في الحياة مقدَّمةٌ على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا قول الجمهور، وفيه خلافٌ شاذٌّ لا يُعوَّل عليه.
الحكم الثَّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، هما إزارٌ ورداءٌ، هذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى١: لا يُجزئ٢ أقلُّ من ثلاثة أثوابٍ عند القدرة؛ لأنَّه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التَّكفين بالثَّلاثة لمن له أيتامٌ. والصَّحيح خلافُ قوله، وما ذكره ينتقض٣ بالخشن مع الرَّفيع.
الحكم التَّاسع: أنَّ المحرم ممنوعٌ من الطِّيب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يقرب٤ طيبًا، مع شهادته له بأنه يُبعَثُ ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطِّيب.
وفي «الصَّحيحين»٥ من حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثِّياب شيئًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفرانٌ».
(١) كما في «المغني» (٣/ ٣٨٧).
(٢) كذا في النسخ و«المغني». وفي المطبوع: «لا يجوز».
(٣) في المطبوع: «ينقض».
(٤) كذا في جميع النسخ، ولا غبار عليه. وغيَّره في المطبوع: «يمس».