الحكم السَّابع: أنَّ الكفن مقدَّمٌ على الميراث وعلى الدَّين؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أمر أن يكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دَينٍ عليه، ولو اختلف الحال لسأل. وكما أنَّ كسوته في الحياة مقدَّمةٌ على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا قول الجمهور، وفيه خلافٌ شاذٌّ لا يُعوَّل عليه.
الحكم الثَّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، هما إزارٌ ورداءٌ، هذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى١: لا يُجزئ٢ أقلُّ من ثلاثة أثوابٍ عند القدرة؛ لأنَّه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التَّكفين بالثَّلاثة لمن له أيتامٌ. والصَّحيح خلافُ قوله، وما ذكره ينتقض٣ بالخشن مع الرَّفيع.
الحكم التَّاسع: أنَّ المحرم ممنوعٌ من الطِّيب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يقرب٤ طيبًا، مع شهادته له بأنه يُبعَثُ ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطِّيب.
وفي «الصَّحيحين»٥ من حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثِّياب شيئًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفرانٌ».
(١) كما في «المغني» (٣/ ٣٨٧).
(٢) كذا في النسخ و«المغني». وفي المطبوع: «لا يجوز».
(٣) في المطبوع: «ينقض».
(٤) كذا في جميع النسخ، ولا غبار عليه. وغيَّره في المطبوع: «يمس».
(٥) رواه البخاري (١٥٤٣) ومسلم (١١٧٧).
وأمرَ الذي أحرم في جُبَّةٍ بعد ما تَضَمَّخ بالخَلُوق أن يَنزِع١ عنه الجبَّة، ويَغسِل عنه أثرَ الخَلُوق٢.
فعلى هذه الأحاديث الثَّلاثة مدارُ منع المحرم من الطِّيب. وأصرحُها هذه القصَّة، فإنَّ النَّهي في الحديثين الأخيرين٣ إنَّما هو عن نوعٍ خاصٍّ من الطِّيب لا سيَّما الخَلُوق، فإنَّ النَّهي عنه عامٌّ في الإحرام وغيره.
وإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد نهى أن يقرب طيبًا أو يمسَّ به، تناولَ ذلك الرَّأسَ والبدن والثِّياب. وأمَّا شمُّه من غير مسٍّ فإنَّما حرَّمه من حرَّمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النَّهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعٌ معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمَّه يدعو إلى ملابسته٤ في البدن والثِّياب، كما حُرِّم النَّظر إلى الأجنبيَّة؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى غيره، وما حُرِّم تحريمَ الوسائل فإنَّه يُباح٥ للحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما يباح النَّظر إلى الأمة المستامة٦، والمخطوبة، ومن يشهد عليها، ويُعاملها، ويَطُبُّها٧.
وعلى هذا، فإنَّما يُمنع المحرِم من قصْد شمِّ الطِّيب للتَّرفُّه واللذَّة. فأمَّا
(١) في المطبوع: «تُنزع ... ويُغسَل» بصيغة المبني للمجهول. وفي سياق الحديث أن النبي ﷺ أمر به ذلك الشخص الذي أحرم في جبة وتضمَّخ بالخلوق، لا غيره.
(٢) رواه البخاري (١٧٨٩) ومسلم (١١٨٠/ ٦) من حديث يعلى بن أمية ﵁ .