ثمَّ جعل يسير العَنَقَ، وهو ضربٌ من السَّير ليس بالسَّريع ولا البطيء. فإذا وجد فَجْوةً ــ وهو المتَّسَع ــ نصَّ سَيْرَه١، أي: رفعه فوق ذلك، كلَّما أتى رَبْوةً من تلك الرُّبى أرخى للنَّاقة زِمامَها قليلًا حتَّى تصعد.
وكان يلبِّي في مسيره ذلك، لا يقطع التَّلبية. فلمَّا كان في أثناء الطَّريق نزل ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، فقال له أسامة: الصَّلاة يا رسول اللَّه، فقال: «المصلَّى أمامَك»٢.
ثمَّ سار حتَّى أتى المزدلفة، فتوضَّأ وضوء الصَّلاة، ثمَّ أمر بالأذان، فأذَّن المؤذِّن ثمَّ أقام، فصلَّى المغرب قبل حطِّ الرِّحال وتبريكِ الجمال، فلمَّا حطُّوا رحالهم أمر فأقيمت الصَّلاة، ثمَّ صلَّى عشاء الآخرة بإقامةٍ بلا أذانٍ، ولم يصلِّ بينهما شيئًا٣، وقد رُوي أنَّه صلَّاهما٤ بأذانين وإقامتين، وروي بإقامتين بلا أذانٍ، والصَّحيح: أنَّه صلَّاهما بأذانٍ وإقامتين، كما فعل٥ بعرفة٦.
ثمَّ نام حتَّى أصبح، ولم يُحْيِ تلك اللَّيلة، ولا صحَّ عنه في إحياء ليلتي العيدين شيءٌ٧.
(١) «سيره» ليست في ص.
(٢) رواه البخاري (١٣٩، ١٨١) ومسلم (١٢٨٠/ ٢٧٦، ٢٧٧) بهذا اللفظ، وكذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «الصلاة أو المصلى أمامك».
وأذِن في تلك اللَّيلة لضعفة أهله أن يتقدَّموا إلى منًى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس. حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه الترمذي١ وغيره.
وأمَّا حديث عائشة: أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضتْ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني عندها. رواه أبو داود٢ فحديثٌ منكرٌ، أنكره الإمام أحمد وغيره. وممَّا يدلُّ على إنكاره: أنَّ فيه أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصُّبح يوم النَّحر بمكَّة، وفي روايةٍ: توافيه وكان يومها، فأحبَّ أن توافيه٣، وهذا من المحال قطعًا.
قال الأثرم٤: قال لي٥ أبو عبد الله: ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة٦ أنَّ النبيَّ ﷺ أمرها أن توافيه
(١) رواه برقم (٨٩٣) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه هو والألباني في «الإرواء» (٤/ ٢٧٢).