زاد المعاد

النبيَّ ﷺ بعثَ به مع أهله إلى منًى يومَ النَّحر، فرمَوا الجمرةَ مع الفجر؟

قيل: يُقدَّم عليه حديثُه الآخر الذي رواه الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وصحَّحه، أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّم ضَعفَة أهله، وقال: «لا تَرمُوا الجمرةَ حتى تطلع الشَّمس». ولفظ أحمد١ فيه: قدَّمَنا رسول الله ﷺ ــ أُغَيلِمةَ بني عبد المطَّلب ــ على حُمُراتٍ٢ لنا من جَمْعٍ، فجعل يَلْطَحُ٣ أفخاذنا ويقول: «أُبَيْنِيَّ٤ لا تَرْمُوا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس». لأنَّه أصحُّ منه، وفيه نهيُ النبيِّ ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشَّمس، وهو محفوظٌ بذكر القصَّة

  1. (١) برقم (٢٠٨٢)، ورواه أيضًا أبو داود (١٩٤٠) وابن ماجه (٣٠٢٥)، من طريق الحسن العرني عن ابن عباس، والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، وتوبع برواية الحكم عن مقسم عند الترمذي (٨٩٣). والحديث صحيح. وانظر: «الإرواء» (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٧).
  2. (٢) جمع حُمُر، وحُمُر جمع حمار.
  3. (٣) ق، ب، ص: «يلطخ»، تصحيف. واللطح: الضرب بالكف وليس بالشديد. والأُغيلمة: تصغير الغِلمة، كما قالوا: أُصيبية في تصغير الصبية.
  4. (٤) في المطبوع: «أي بُني» خلاف النسخ والرواية. والمثبت هو الصواب. قال سيبويه في «الكتاب» (٣/ ٤٨٦): ومما يُحقَّر (أي يصغّر) على غير بناء مكبَّره المستعمل في الكلام: إنسان تقول أُنيسِيان، وفي بنون: أُبَينُون، كأنهم حقَّروا إنسيان وأفعل نحو أعمى، وفعلوا هذا بهذه الأشياء لكثرة استعمالهم إياها في كلامهم. وقال أبو عبيد في «غريب الحديث» (١/ ١٢٩): هو تصغير «بَنِيّ»، يريد: يا بَنيّ. قال الشاعر:
    إن يك لا ساءَ فقد ساءَني ... تركُ أُبَيْنِيْك إلى غير راعْ
    وقال الزمخشري في «الفائق» (٣/ ٧٤): الأُبينَى بوزن الأُعيمَى، تصغير الأبْنَى بوزن الأعمى، وهو اسم جمع للابن. وانظر: «المجموع المغيث» (١/ ٢٠ - ٢٢) و«شرح الرضي على الكافية» (٣/ ٣٧٩).
306

فيه. والحديث الآخر إنَّما فيه: أنَّهم رَمَوها مع الفجر.

ثمَّ تأمَّلنا، فإذا أنَّه لا تعارضَ بين هذه الأحاديث، فإنَّه أمر الصِّبيان أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس، فإنَّه لا عذْرَ لهم في تقديم الرَّمي. أمَّا مَن قدَّمه من النِّساء فرمَينَ١ قبلَ طلوع الشَّمس للعذر، والخوفِ عليهنَّ من مزاحمة النَّاس وحَطْمتِهم. وهذا الذي دلَّت عليه السُّنَّة، جواز الرَّمي قبل طلوع الشَّمس للمعذور٢ بمرضٍ أو كبرٍ يشقُّ عليه مزاحمةُ النَّاس لأجله، وأمَّا القادر الصَّحيح فلا يجوز له ذلك.

وفي المسألة ثلاثة مذاهب:

أحدها: الجواز بعد نصف اللَّيل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعيِّ وأحمد.

والثَّاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة.

والثَّالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشَّمس، كقول جماعةٍ من أهل العلم.

والَّذي دلَّت عليه السُّنَّة إنَّما هو التَّعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف اللَّيل، وليس مع من حدَّه بالنِّصف دليلٌ، والله أعلم.

فصل

فلمَّا طلع الفجر صلَّاها في أوَّل الوقت ــ لا قبلَه قطعًا ــ بأذانٍ وإقامةٍ يوم النَّحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحجِّ الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله

  1. (١) ص: «فيرمين».
  2. (٢) ق، م، ب، مب والمطبوع: «للعذر». والمثبت من بقية النسخ.
307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي