النَّخعيُّ والشَّعبيُّ وعلقمة والحسن البصريُّ، وهو مذهب الأوزاعيِّ وحمَّاد بن أبي سليمان وداود الظَّاهريِّ وأبي عبيد القاسم بن سلَّامٍ، واختاره المحمَّدان: ابن جريرٍ وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشَّافعيَّة١، ولهم ثلاث حججٍ، هذه إحداها، والثَّانية: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾[البقرة: ١٩٨]. والثَّالثة: فِعْل رسول الله ﷺ الذي خرج مخرجَ البيان لهذا الذِّكر المأمور به.
واحتجَّ من لم يره ركنًا بأمرين:
أحدهما: أنَّ النبيَّ ﷺ مدَّ وقتَ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنَّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسرِ زمانٍ صحَّ حجُّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصحَّ حجُّه.
الثَّاني: أنَّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرِّجال والنِّساء، فلمَّا قدَّم رسول الله ﷺ النِّساء باللَّيل عُلِم أنَّه ليس بركنٍ.
وفي الدَّليلين نظرٌ، فإنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما قدَّمهنَّ بعد المبيتِ بمزدلفة، وذِكْرِ الله تعالى بها كصلاة٢ عشاء الآخرة، والواجب هو ذلك. وأمَّا توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنًا، وتكون تلك اللَّيلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصَّلوات. وتضييق٣ الوقت لإحداهما لا يُخرِجه عن أن يكون وقتًا لهما حالَ القدرة.
(١) انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٢٩٧).
(٢) ق، ص، م، مب: «لصلاة». والمثبت من ك، ج.
(٣) ص، ج: «ومضيق».
فصل
ووقف ﷺ في موقفه، وأَعلمَ النَّاسَ أنَّ مزدلفة كلَّها موقفٌ، ثمَّ سار من مزدلفة مُردِفًا للفضل بن عبَّاسٍ وهو يلبِّي في مَسيره، وانطلق أسامة بن زيدٍ على رجليه في سُبَّاقِ قريشٍ.
وفي طريقه ذلك أمر ابن عبَّاسٍ أن يَلْقُط له١ حصى الجِمار سبعَ حصياتٍ، ولم يكسرها من الجبل تلك اللَّيلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها باللَّيل، فالتقط له سبع حَصَياتٍ من حصى الخَذْف، فجعل يَنفُضهنَّ في كفِّه ويقول: «أمثالَ٢ هؤلاء فارمُوا، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين»٣.
وفي طريقه تلك عَرضَتْ له امرأةٌ من خَثْعم جميلةٌ، فسألتْه عن الحجِّ عن أبيها، وكان شيخًا كبيرًا لا يَستمسك على الرَّاحلة، فأمرها أن تحجَّ عنه، وجعل الفضل ينظر إليها٤، فوضع يده على وجهه وصَرَفَه إلى الشِّقِّ الآخر٥. وكان الفضلُ وَسيمًا، فقيل: صرفَ وجهه عن نظرها إليه، وقيل: صرفَه عن نظره إليها.
(١) ك، ص، ج: «لهم». والمثبت من ق، مب، م.
(٢) في المطبوع: «بأمثال» خلاف النسخ. والرواية بالوجهين.
(٣) رواه أحمد (١٨٥١) والنسائي (٣٠٥٧) وابن ماجه (٣٠٢٩) من حديث ابن عباس ﵄ . والحديث صححه ابن خزيمة (٢٨٦٧) وابن حبان (٣٨٧١) والحاكم (١/ ٤٦٦) وابن تيمية في «الاقتضاء» (١/ ٣٢٧) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٨٣).
(٤) بعدها في المطبوع: «وتنظر إليه». وليست في جميع النسخ، وإن كانت في الرواية كما سيأتي.
(٥) رواه البخاري (١٥١٣) ومسلم (١٣٣٤) من حديث ابن عباس ﵄ .