فمنًى: من الحرم وهي مَشعرٌ، ومحسِّرٌ: من الحرم وليس بمشعرٍ، ومزدلفة: حرمٌ ومشعرٌ، وعُرَنة ليست مشعرًا، وهي من الحلِّ. وعرفة: حلٌّ ومشعرٌ١.
وسلك الطَّريقَ الوسطى بين الطَّريقين٢، وهي الَّتي تخرج على الجمرة الكبرى، حتَّى٣ أتى منًى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكبًا بعد طلوع الشَّمس، واحدةً بعد واحدةٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، وحينئذٍ قطع التَّلبية.
وكان في مسيره ذلك يلبِّي حتَّى شرعَ في الرَّمي، ورمى وبلالٌ وأسامة معه، أحدهما آخذٌ بخطام ناقته، والآخر يُظِلُّه بثوبٍ من الحرِّ٤. وفي هذا دليلٌ على جواز استظلال المحرم بالمَحْمِل ونحوه، إن كانت قصَّة هذا الإظلال يوم النَّحر٥، وإن كانت بعده في أيَّام منًى فلا حجَّة فيها، وليس في الحديث بيانٌ في أيِّ زمنٍ كانت٦. فالله أعلم٧.
(١) «ومشعر» ليست في ص.
(٢) «وهي من الحل ... الطريقين» ساقطة من ق بسبب انتقال النظر.
(٣) ص، ج: «حين».
(٤) رواه مسلم (١٢٩٨/ ٣١٢) من حديث أم الحصين ﵁ .
(٥) بعدها في المطبوع: «ثابتة». وليست في النسخ.
(٦) ج: «كان».
(٧) ج: «المستعان».
فصل
ثمَّ رجع إلى منًى، فخطب النَّاس خطبةً بليغةً، أعلمَهم فيها بحرمة يوم النَّحر، وتحريمه، وفضله عند اللَّه، وحرمة مكَّة على جميع البلاد، وأمر بالسَّمع والطَّاعة لمن قادهم بكتاب اللَّه، وأمر النَّاس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: «لعلِّي لا أحجُّ بعد عامي هذا»١.
وعلَّمهم مناسكَهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلَهم، وأمر النَّاس أن لا يرجعوا بعده كفَّارًا يضرب بعضهم رقابَ بعضٍ، وأمر بالتَّبليغ عنه. وأخبر أنَّه ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ٢.
وقال في خطبته: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه»٣.
وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصارَ عن يسارها، والنَّاسُ حولهم، وفتح الله له أسماعَ النَّاس حتَّى سمعها أهل منًى في منازلهم.
وقال في خطبته تلك: «اعبدوا ربَّكم، وصَلُّوا خمْسَكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربِّكم»٤.
(١) رواه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩/ ٣١) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) رواه أحمد (١٦٠٦٤) والترمذي (٢١٥٩) وابن ماجه (٢٦٦٩) من حديث عمرو بن الأحوص﵁ -، والحديث صحيح بشواهده، وقد صححه الترمذي. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٩٧٤).
(٤) رواه أحمد (٢٢١٦١) والترمذي (٦١٦) من حديث أبي أمامة﵁ -، وصححه الترمذي وابن حبان (٤٥٦٣) والحاكم (١/ ٩)، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٤). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٨٦٧)