ثمَّ رجع إلى منًى، فخطب النَّاس خطبةً بليغةً، أعلمَهم فيها بحرمة يوم النَّحر، وتحريمه، وفضله عند اللَّه، وحرمة مكَّة على جميع البلاد، وأمر بالسَّمع والطَّاعة لمن قادهم بكتاب اللَّه، وأمر النَّاس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: «لعلِّي لا أحجُّ بعد عامي هذا»١.
وعلَّمهم مناسكَهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلَهم، وأمر النَّاس أن لا يرجعوا بعده كفَّارًا يضرب بعضهم رقابَ بعضٍ، وأمر بالتَّبليغ عنه. وأخبر أنَّه ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ٢.
وقال في خطبته: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه»٣.
وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصارَ عن يسارها، والنَّاسُ حولهم، وفتح الله له أسماعَ النَّاس حتَّى سمعها أهل منًى في منازلهم.
وقال في خطبته تلك: «اعبدوا ربَّكم، وصَلُّوا خمْسَكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربِّكم»٤.
(١) رواه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩/ ٣١) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) رواه أحمد (١٦٠٦٤) والترمذي (٢١٥٩) وابن ماجه (٢٦٦٩) من حديث عمرو بن الأحوص﵁ -، والحديث صحيح بشواهده، وقد صححه الترمذي. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٩٧٤).
(٤) رواه أحمد (٢٢١٦١) والترمذي (٦١٦) من حديث أبي أمامة﵁ -، وصححه الترمذي وابن حبان (٤٥٦٣) والحاكم (١/ ٩)، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٤). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٨٦٧)
وودَّع حينئذٍ النَّاس، فقالوا: حجَّة الوداع.
فصل١
وهناك سئل عمَّن حَلَق قبل أن يرمي وعمَّن ذبح قبل أن يرمي، فقال: «لا حرج». قال عبد الله بن عمرٍو: فما رأيتُه سئل يومئذٍ٢ عن شيءٍ إلا قال: «افعلُوا ولا حرجَ»٣.
وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّه قيل له ﷺ في الذَّبح والحلق والرَّمي والتَّقديم والتَّأخير، فقال: «لا حرجَ»٤.
وقال أسامة بن شريك: خرجتُ مع النبيِّ ﷺ حاجًّا، فكان النَّاس يأتونه، فمن قائلٍ: يا رسول الله، سعيتُ قبل أن أطوف، أو أخَّرتُ شيئًا أو قدَّمتُ، فكان يقول لهم: «لا حرجَ لا حرجَ، إلا على رجلٍ اقترضَ عرض رجلٍ مسلمٍ وهو ظالمٌ، فذلك الذي حرِجَ وهلك»٥.
(١) «فصل» ليست في ق، م، ص. ومن هنا إلى «والحلق بعضها على بعض» سقط كبير في ق، م، ب، مب.
(٢) «يومئذ» ليست في ك.
(٣) رواه البخاري (١٧٣٦) من طريق مالك (١٢٦٦)، ورواه مسلم (١٣٠٦/ ٣٣٣) واللفظ له من طريق محمد بن أبي حفصة.
(٤) رواه البخاري (١٧٣٤) ومسلم (١٣٠٧).
(٥) رواه أبو داود (٢٠١٥)، والحديث صحيح دون قوله: «سعيت قبل أن أطوف» كما يشير إليه المؤلف، تفرد به جرير بن عبد الحميد، خالف الثقات فيه. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٢٥٦).