داود١ عن علي قال: لمَّا نحر رسول الله ﷺ بُدْنَه فنحرَ ثلاثين بيده، وأمرني فنحرتُ سائرها.
قلنا: هذا غلطٌ انقلب على الرَّاوي، فإنَّ الذي نحر ثلاثين هو علي، فإنَّ النبيَّ ﷺ نحر سبعًا بيده، لم يشاهده علي ولا جابر، ثمَّ نحر ثلاثًا وستِّين أخرى، فبقي من المائة ثلاثين٢، فنحرها علي، فانقلب على الرَّاوي عددُ ما نحره عليٌّ بما نحره النبيُّ ﷺ.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرط٣ عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ أعظم الأيَّام عند الله يوم النَّحر، ثمَّ يوم القَرِّ٤». وهو اليوم الثَّاني. قال: وقُرِّب لرسول الله ﷺ بَدَناتٌ خمسٌ، فطَفِقْن٥ يَزدلِفْن إليه بأيَّتهنَّ يبدأ؟ فلمَّا وجبَتْ جنوبها قال، فتكلَّم بكلمةٍ خفيَّةٍ لم أفهمها، فقلت ما قال؟ قال: «من شاء اقْتطعَ»٦.
(١) أحمد (١٣٧٤) وأبو داود (١٧٦٤)، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد عنعنه ولم يصرح بالتحديث، ومتنه منكر لمخالفته حديث جابر عند مسلم (١٢١٨). انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٤٧).
(٢) كذا في جميع النسخ منصوبًا.
(٣) ك: «قيراط»، تحريف.
(٤) ك: «النفر» خلاف بقية النسخ ومصادر التخريج.
(٥) ص: «فطفق».
(٦) رواه أحمد (١٩٠٧٥) وأبو داود (١٧٦٥) والنسائي في «الكبرى» (٤٠٩٨) من حديث عبد الله بن قرط﵁ -، وصححه ابن خزيمة (٢٩١٧) وابن حبان (٢٨١١) والحاكم (٤/ ٢٢١) والألباني في «الإرواء» (٧/ ١٩)، وقال البيهقي (٧/ ٢٨٨): إسناده حسن.
قيل: نقبله ونصدِّقه، فإنَّ المائة لم تُقرَّب إليه جملةً، وإنَّما كانت تُقرَّب إليه أَرسالًا، فقرِّب إليه منها خمسُ بَدَناتٍ رَسَلًا، وكان ذلك الرَّسَلُ يبادرن ويتقرَّبن إليه ليبدأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في «الصَّحيحين»١ من حديث أبي بَكْرة في خطبة النبيِّ ﷺ يوم النَّحر بمنًى، وقال في آخره: ثمَّ انكَفَأ إلى كَبْشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزَيعةٍ٢ من الغنم فقَسَمَها بيننا. لفظ مسلمٍ٣. ففي هذا أنَّ ذبح الكبشين كان بمكَّة، وفي حديث أنس أنَّه كان بالمدينة.
قيل: في هذا طريقان للنَّاس:
إحداهما: أنَّ القول قول أنس، وأنَّه ضحَّى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين، وأنَّه صلَّى العيد ثمَّ انكفأ إلى الكبشين، ففصَّل أنس وميَّز بين نحره بمكَّة للبُدْن وبين نحرِه بالمدينة للكبشين، وبيَّن أنَّهما قصَّتان. ويدلُّ على هذا أنَّ جميع من ذكر نحر النبيِّ ﷺ بمنًى إنَّما ذكروا أنَّه نحر الإبل، وهو الهدي الذي ساقه، وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سَوْقٍ. وجابر قد قال في صفة حجَّة الوداع: إنَّه رجع من الرَّمي فنحر البدن، وإنَّما اشتبه على بعض الرُّواة
(١) البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩/ ٣٠).
(٢) في جمع النسخ: «جذيعة» بالذال. والتصويب من «صحيح مسلم». والجُزَيْعَة: القطعة من الغنم، تصغير جزعة، وهو القليل من الشيء. وضبطه ابن فارس في «مجمل اللغة» (جزع) بفتح الجيم وكسر الزاي كأنها فعيلة بمعنى مفعولة. وانظر: «النهاية» (١/ ٢٦٩) و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ١٧١).