لكن في قصَّة نحر البقرة عنهنَّ ــ وهنَّ تِسعٌ ــ إشكالٌ، وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعةٍ.
وقد أجاب أبو محمد ابن حزم٢ عنه بجوابٍ على أصله، وهو أنَّ عائشة لم تكن معهنَّ في ذلك، فإنَّها كانت قارنةً وهنَّ متمتِّعاتٌ، وعنده لا هديَ على القارن. وأيَّد قوله بالحديث الذي رواه مسلم٣ من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافينَ لهلال ذي الحجَّة، فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ، فخرجنا حتَّى قدمنا مكَّة، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ لم أحلَّ من عمرتي، فشكوتُ ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «دَعِي عمرتك، وانقُضِي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ». قالت: ففعلتُ. فلمَّا كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجَّنا، أرسل معي عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، فأردفني وخرج إلى التَّنعيم، فأهللتُ بعمرةٍ، فقضى الله حجَّنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هديٌ ولا صدقةٌ ولا صومٌ.
وهذا مسلكٌ فاسدٌ انفرد به٤ عن النَّاس. والَّذي عليه الصَّحابة والتَّابعون ومَن بعدهم: أنَّ القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتِّع، بل هو متمتِّعٌ حقيقةً في لسان الصَّحابة، كما تقدَّم. وأمَّا هذا الحديث فالصَّحيح أنَّ
(١) «الهدي» ليست في ك.
(٢) في «حجة الوداع» (ص ٣٠٩، ٣١٠).
(٣) برقم (١٢١١/ ١١٥).
(٤) بعدها في المطبوع زيادة: «ابن حزم»، وليست في النسخ، وهو مفهوم من السياق.
هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في «صحيح مسلم»١ مصرَّحًا به، فقال: حدَّثنا أبو كُريب، ثنا وكيعٌ، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ... فذكرت الحديث. وفي آخره٢ في ذلك: «إنَّه قضى الله حجَّها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هديٌ ولا صيامٌ ولا صدقةٌ».
قال أبو محمد٣: إن كان وكيعٌ جعل هذا الكلام لهشام، فابن نُمير وعَبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكلٌّ منهما ثقةٌ، فوكيعٌ نسبه إلى هشام لأنَّه سمع هشاما يقوله، وليس قول هشام إيَّاه بدافعٍ أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثًا يسنده، ثمَّ يفتي به دون أن يسنده، فليس شيءٌ من هذا بمتدافعٍ. وإنَّما يتعلَّل بمثل هذا مَن لا يُنصِف ومن اتَّبع هواه، والصَّحيح من ذلك أنَّ كلَّ ثقةٍ فمصدَّقٌ فيما نقل. فإذا أضاف عَبدة وابن نُميرٍ القولَ إلى عائشة صُدِّقا لعدالتهما، وإذا أضافه وكيعٌ إلى هشام صُدِّق أيضًا لعدالته، وكلُّ ذلك صحيحٌ، وتكون عائشة قالته وهشام قاله.
قلت: هذه الطَّريقة هي اللَّائقة بظاهريَّته وظاهريَّةِ أمثاله، ممَّن لا فقهَ له في علل الأحاديث كفقه الأئمَّة النُّقَّاد أطبَّاءِ علله وأهلِ العناية بها، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممَّن ليس له ذوقهم ومعرفتهم، بل يقطعون بخطائه٤، بمنزلة الصَّيارف النُّقَّاد الذين يميِّزون بين الجيِّد والرَّديء، ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك.
(١) برقم (١٢١١/ ١١٧).
(٢) بعدها في المطبوع زيادة: «قال عروة». وليست في النسخ.
(٣) في «حجة الوداع» (ص ٣١٠، ٣١١).
(٤) كذا في جميع النسخ ممدودًا، وهو صواب. وفي المطبوع: «بخطئه».