وإمَّا أن يقال: عَدْلُ البعيرِ بعشرةٍ من الغنم تقويمٌ في الغنائم، لأجل تعديل القسمة. وأمَّا كونه عن سبعةٍ في الهدايا فهو تقديرٌ شرعيٌّ.
وإمَّا أن يقال: إنَّ ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل، ففي بعضها كان البعير يَعدِلُ عشرَ شِياهٍ، فجعله عن عشرةٍ، وفي بعضها يَعدِلُ سبعًا، فجعله عن سبعةٍ، والله أعلم.
وقد قال أبو محمد١: إنَّه ذبح عن نسائه بقرةً للهدي، وضحَّى عنهنَّ ببقرةٍ، وضحَّى٢ عن نفسه بكبشين، ونحر٣ ثلاثًا وستِّين هديًا. وقد عرفتَ ما في ذلك من الوهم، ولم تكن بقرة الضَّحيَّة غير بقرة الهدي، بل هي هي، وهدي الحاجِّ بمنزلة ضحيَّة الآفاقيِّ.
فصل
ونحر رسول الله ﷺ بمنحره بمنًى، وأعلمهم أنَّ منًى كلَّها منحرٌ، وأنَّ فِجاجَ مكَّة طريقٌ ومنحرٌ. وفي هذا دليلٌ على أنَّ النَّحر لا يختصُّ بمنًى، بل حيث نحر من فِجاج مكَّة أجزأه، كما أنَّه لمَّا٤ وقف بعرفة قال: «وقفتُ هاهنا وعرفة كلُّها موقفٌ»، ووقف بمزدلفة وقال: «وقفتُ هاهنا، ومزدلفة
(١) في «حجة الوداع» (ص ١٩٤).
(٢) «وضحى» ليست في ق.
(٣) بعدها في المطبوع زيادة: «عن نفسه»، وليست في النسخ.
(٤) ك: «لو»، خطأ.
كلُّها موقفٌ». وسئل ﷺ أن يُبنى له بمنًى مِظلَّة١ من الحرِّ، فقال: «لا، منًى مُناخُ مَن سَبق٢»٣. وفي هذا دليلٌ على اشتراك المسلمين فيها، وأنَّ من سبق إلى مكانٍ منها فهو أحقُّ به حتَّى يرتحل عنه، ولا يملكه بذلك.
فصل
فلمَّا أكمل رسول الله٤ﷺ نحْرَه استدعى بالحلَّاق، فحلق رأسه، فقال للحلَّاق ــ وهو مَعْمر بن عبد الله ــ وهو قائمٌ على رأسه بالموسى، ونظر في وجهه وقال: «يا معمرُ، أَمكنَك رسول الله ﷺ من شَحْمة أذنه وفي يدك الموسى»، فقال معمر: أما والله يا رسول الله، إنَّ ذلك لمن نعمةِ الله عليَّ ومَنِّه. قال: قال: «أجَلْ فَرَ٥ ذلك». ذكر ذلك الإمام أحمد٦.
(١) في المطبوع: «بناء يظله».
(٢) في المطبوع: «مناخ لمن سبق إليه».
(٣) رواه أحمد (٢٥٥٤١، ٢٥٧١٨) وأبو داود (٢٠١٩) والترمذي (٨٨١) وابن ماجه (٣٠٠٦، ٣٠٠٧) من حديث عائشة ﵂. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم (١/ ٤٦٦). وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف.
(٤) «رسول الله» ليست في ك، ص، ج.
(٥) كذا في جميع النسخ، وفي ق، م كتبت «صح» تحت الكلمة وهو صواب، فـ (رَ) فعل أمر من رأى يرى. وفي المطبوع: «أجل إذًا أقَرُّ لك». وفي «المسند»: «أَقِرُّ لك»، ونحوه في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٦١). وفي «المعجم الكبير» للطبراني (٢٠/ ٤٤٨): «فزد ذلك». ولم يذكر هذا اللفظ ضمن الحديث في «الآحاد والمثاني» (٦٧١) و«معجم الصحابة» للبغوي (٥/ ١٦١) و«معجم الصحابة» لابن قانع (١٦٨٣). وأثبتُّ ما في جميع الأصول.
(٦) رواه أحمد (٢٧٢٤٩)، وفي إسناده عبد الرحمن بن عقبة، قال الحسيني في «الإكمال» (ص ٢٦٦): «مجهول».