وقال البخاريُّ في «صحيحه»١: وزعموا أنَّ الذي حلق النبيَّ ﷺ معمر بن عبد الله بن نَضْلة بن عوف. انتهى.
فقال للحلَّاق: «خُذْ»٢، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلمَّا فرغ منه قسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى الحلَّاق فحلق جانبه الأيسر، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه. هكذا وقع في «صحيح مسلم»٣.
وفي «صحيح البخاريّ»٤: عن ابن سيرين عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا حلق رأسه كان أبو طلحة أوَّلَ من أخذ من شعره.
وهذا لا يناقض روايةَ مسلم، لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشِّقِّ الأيمن مثلُ ما أصاب غيرَه، ويختصَّ بالشِّقِّ الأيسر. لكن قد روى مسلم في «صحيحه»٥ أيضًا من حديث أنس، قال: لمَّا رمى رسول الله ﷺ الجمرةَ ونحرَ نُسكَه وحلق، ناولَ الحلَّاقَ شقَّه الأيمنَ فحلقه، ثمَّ دعا أبا طلحة الأنصاريَّ فأعطاه إيَّاه، ثمَّ ناوله الشِّقَّ الأيسر فقال: «احلِقْ»، فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسِمْه بين النَّاس». ففي هذه الرِّواية كما ترى أنَّ نصيب أبي طلحة كان الشِّقَّ الأيمن، وفي الأولى: أنَّه كان الأيسر.
(١) لم أجده في «صحيح البخاري»، وهو عند ابن خزيمة (٢٩٣٠)، وانظر تعليق ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٦٢).
(٢) ص: «خذه».
(٣) برقم (١٣٠٥/ ٣٢٤).
(٤) برقم (١٧١).
(٥) برقم (١٣٠٥/ ٣٢٦).
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي١: رواه مسلم من رواية حفص بن غياثٍ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى٢، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقِّه الأيسر. ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسَّانٍ: أنَّه دفع إلى أبي طلحة شَعر شِقِّه الأيمن٣. قال٤: ورواية ابن عَون عن ابن سيرين أراها تقوِّي رواية سفيان، والله أعلم.
قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاريِّ٥، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشِّقَّ الذي اختصَّ به. فالله أعلم.
والَّذي يَقوى أنَّ نصيب أبي طلحة الذي اختصَّ به كان الشِّقَّ الأيسر، وأنَّه ﷺ عمَّ ثمَّ خصَّ، وهذه كانت سنَّته في عطائه، وعلى هذا أكثر الرِّوايات، فإنَّ في بعضها٦ أنَّه قال للحلَّاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى٧ الحلَّاق إلى الجانب الأيسر فحلقه،
(١) الضياء المقدسي، في «السنن والأحكام» (٤/ ٢٣٠).
(٢) «بن عبد الأعلى» ليست في ك.
(٣) رواية حفص بن غياث عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٤)، ورواية عبد الأعلى عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٥)، ورواية ابن عيينة عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٦).