قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي١: رواه مسلم من رواية حفص بن غياثٍ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى٢، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقِّه الأيسر. ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسَّانٍ: أنَّه دفع إلى أبي طلحة شَعر شِقِّه الأيمن٣. قال٤: ورواية ابن عَون عن ابن سيرين أراها تقوِّي رواية سفيان، والله أعلم.
قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاريِّ٥، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشِّقَّ الذي اختصَّ به. فالله أعلم.
والَّذي يَقوى أنَّ نصيب أبي طلحة الذي اختصَّ به كان الشِّقَّ الأيسر، وأنَّه ﷺ عمَّ ثمَّ خصَّ، وهذه كانت سنَّته في عطائه، وعلى هذا أكثر الرِّوايات، فإنَّ في بعضها٦ أنَّه قال للحلَّاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى٧ الحلَّاق إلى الجانب الأيسر فحلقه،
(١) الضياء المقدسي، في «السنن والأحكام» (٤/ ٢٣٠).
(٢) «بن عبد الأعلى» ليست في ك.
(٣) رواية حفص بن غياث عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٤)، ورواية عبد الأعلى عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٥)، ورواية ابن عيينة عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٦).
(٤) يعني الضياء المقدسي.
(٥) برقم (١٧١).
(٦) عند مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٤).
(٧) «إلى» ساقطة من ك.
فأعطاه أم سُليم. ولا يعارض هذا دفْعُه إلى أبي طلحة، فإنَّها امرأته.
وفي لفظٍ آخر١: فبدأ بالشِّقِّ الأيمن، فوزَّعه الشَّعرة والشَّعرتين بين النَّاس، ثمَّ قال بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه.
وفي لفظٍ ثالثٍ٢: «دفع إلى أبي طلحة شعر شقِّ رأسه الأيسر، ثمَّ قلَّم أظفاره وقسَمَها بين النَّاس».
وذكر٣ الإمام أحمد٤ من حديث محمد [بن عبد الله]٥ بن زيد أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنحر، ورجلٌ من قريشٍ، وهو يَقْسِم أضاحيَ، فلم يُصِبْه شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسَمَ منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه. قال: فإنَّه عندنا مخضوبٌ بالحنَّاء والكَتَم، يعني شَعره.
ودعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمقصِّرين مرَّةً٦، وحلق كثيرٌ من الصَّحابة بل أكثرهم، وقصَّر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾[الفتح: ٢٧] ومع قول