فأعطاه أم سُليم. ولا يعارض هذا دفْعُه إلى أبي طلحة، فإنَّها امرأته.
وفي لفظٍ آخر١: فبدأ بالشِّقِّ الأيمن، فوزَّعه الشَّعرة والشَّعرتين بين النَّاس، ثمَّ قال بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه.
وفي لفظٍ ثالثٍ٢: «دفع إلى أبي طلحة شعر شقِّ رأسه الأيسر، ثمَّ قلَّم أظفاره وقسَمَها بين النَّاس».
وذكر٣ الإمام أحمد٤ من حديث محمد [بن عبد الله]٥ بن زيد أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنحر، ورجلٌ من قريشٍ، وهو يَقْسِم أضاحيَ، فلم يُصِبْه شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسَمَ منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه. قال: فإنَّه عندنا مخضوبٌ بالحنَّاء والكَتَم، يعني شَعره.
ودعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمقصِّرين مرَّةً٦، وحلق كثيرٌ من الصَّحابة بل أكثرهم، وقصَّر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾[الفتح: ٢٧] ومع قول
عائشة ﵂: طيَّبتُ رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحلَّ١ = دليلٌ على أنَّ الحلق نسكٌ، وليس بإطلاقٍ من محظورٍ.
فصل
ثمَّ أفاض ﷺ إلى مكَّة قبل الظُّهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزِّيارة، وهو طواف الصَّدَر، ولم يطف غيره، ولم يسْعَ معه. هذا هو الصَّواب، وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفةٌ زعمت أنَّه طاف طوافين، طوافًا للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثمَّ طاف للإفاضة. وطائفةٌ زعمت أنَّه سعى مع هذا الطَّواف لكونه قارنًا. وطائفةٌ زعمت أنَّه لم يطف ذلك اليوم، وإنَّما أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، فنذكر الصَّواب في ذلك، ونبيِّن منشأ الغلط، وباللَّه التَّوفيق.
قال الأثرم٢: قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع ــ أعني المتمتِّع ــ كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجِّه، ويطوف طوافًا آخر للزِّيارة. عاودناه في هذا٣ غيرَ مرَّةٍ، فثبت عليه.
قال الشَّيخ٤ في «المغني»٥: وكذلك الحكم في القارن والمفرِد إذا لم يكونا أتيا مكَّة قبلَ يوم النَّحر، ولا طافا للقدوم، فإنَّهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزِّيارة. نصَّ عليه أحمد، واحتجَّ بما روت عائشة، قالت: «فطاف
(١) رواه البخاري (١٥٣٩) ومسلم (١١٨٩/ ٣٣).
(٢) كما في «المغني» (٥/ ٣١٥).
(٣) «هذا» ليست في ك.
(٤) بعده في المطبوع: «أبو محمد المقدسي»، وليس في جميع النسخ.