زاد المعاد

قال١: وحديث عائشة دليلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا هو طواف الزِّيارة، ولم تذكر طوافًا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرتْه طواف القدوم لكانت قد أخلَّت بذكر طواف الزِّيارة، الذي هو ركن الحجِّ لا يتمُّ إلا به، وذكرتْ ما يُستغنى عنه. وعلى كلِّ حالٍ فما ذكرتْ إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يُستدلُّ به على طوافين؟

وأيضًا، فإنَّها لمَّا حاضت فقرنت الحجَّ إلى العمرة بأمر النبيِّ ﷺ، ولم تكن طافت للقدوم= لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبيُّ ﷺ. ولأنَّ طواف القدوم لو لم يسقط بالطَّواف الواجب لشُرِع٢ في حقِّ المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنَّه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتِّع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه.

قلت: لم يرفع كلام أبي محمد٣ الإشكالَ، وإن كان الذي أنكره هو الحقُّ، كما أنكره، والصَّواب في إنكاره، فإنَّ أحدًا لم يقل: إنَّ الصَّحابة لمَّا رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسَعَوا، ثمَّ طافوا للإفاضة بعده، ولا النبيُّ ﷺ. هذا لم يقع قطعًا، ولكن منشأ الإشكال أنَّ أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارن، فأخبرت أنَّ القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منًى طوافًا واحدًا، وأنَّ الذين أهلُّوا بالعمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا غير٤ طواف الزِّيارة قطعًا، فإنَّه يشترك فيه القارن والمتمتِّع،

  1. (١) في «المغني» (٥/ ٣١٥). والكلام متصل.
  2. (٢) ب، ص، ج، ك، م، مب: «شرع». والمثبت من ق.
  3. (٣) ج: «أبي عبد الله»، خطأ.
  4. (٤) ك، ص، ج: «عن»، خطأ.
331

فلا يُفرَّق بينهما فيه. ولكنِ الشَّيخ أبو محمد لمَّا رأى قولها في المتمتِّعين: «إنَّهم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى»، قال: ليس في هذا ما يدلُّ على أنَّهم طافوا طوافين. والَّذي قاله حقٌّ، ولكنه لم يرفع الإشكال، فقالت طائفةٌ: هذه الزِّيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أُدرِجتْ في الحديث. وهذا لا يتبيَّن، ولو كان فغايته أنَّه مرسلٌ، ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال.

فالصَّواب: أنَّ الطَّواف الذي أخبرت به عائشة، وفرَّقتْ به بين المتمتِّع والقارن، هو الطَّواف بين الصَّفا والمروة لا الطَّواف بالبيت، وزال الإشكال جملةً، فأخبرتْ عن القارنين أنَّهم اكتفَوا بطوافٍ واحدٍ بينهما، لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النَّحر، وهذا هو الحقُّ، وأخبرتْ عن المتمتِّعين أنَّهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرُّجوع من منًى للحجِّ، وذلك الأوَّل كان للعمرة. وهذا قول الجمهور، وتنزيلُ الحديث على هذا موافقٌ لحديثها الآخر، وهو قول النبيِّ ﷺ: «يَسعُكِ طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة لحجِّك وعمرتك»، وكانت قارنةً، ويوافق قول الجمهور.

لكن يُشكِل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في «صحيحه»١: «لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأوَّل». وهذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتِّعَ سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، نصَّ عليها في رواية٢ ابنه عبد الله٣ وغيره٤.

  1. (١) برقم (١٢١٥)، وقد تقدم.
  2. (٢) ك، ج: «مناسك».
  3. (٣) انظر: «مسائله» (ص ٢٠١).
  4. (٤) «وغيره» ليست في ك، ج. وانظر رواية المروذي عن أحمد في «التعليقة» (٢/ ٦٤).
332

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي