وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبِت مقدَّمٌ على النَّافي. أو يقال: مراد جابر مَن قَرنَ مع النبيِّ ﷺ وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي وذوي اليسار، فإنَّهم إنَّما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصَّحابة. أو يُعلَّل حديث عائشة بأنَّ تلك الزِّيادة فيه مدرجةٌ من قول هشام. وهذه ثلاث طرقٍ للنَّاس في حديثها، والله أعلم.
وأمَّا من قال: المتمتِّع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحجِّ قبل خروجه إلى منًى، وهو قول أصحاب الشَّافعيِّ، ولا أدري أمنصوصٌ عنه أم لا؟ قال أبو محمد١: فهذا لم يفعله النبيُّ ﷺ ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولا أمرهم به ولا نقله أحدٌ. قال ابن عبَّاسٍ٢: لا أرى لأهل مكَّة أن يطوفوا ولا أن يسْعَوا بين الصَّفا والمروة بعد إحرامهم بالحجِّ حتَّى يرجعوا من منًى. وعلى٣ قول ابن عبَّاسٍ قولُ٤ الجمهور مالك وأحمد وأبي حنيفة٥ وإسحاق وغيرهم.
والَّذين استحبُّوه قالوا: لمَّا أحرم بالحجِّ صار كالقادم، فيطوف ويسعى للقدوم. قالوا: ولأنَّ٦ الطَّواف الأوَّل وقع عن العمرة، فبقي طواف القدوم لم يأتِ به، فاستحبَّ له فعله عقيبَ الإحرام بالحجِّ.
(١) ص، ج: «قول محمد». والمثبت من بقية النسخ. وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٥).
(٢) كما في «المغني» (٥/ ٢٦١).
(٣) ك، ص، ج: «وتمثل».
(٤) ك، ص، ج: «قال».
(٥) ك، ص، ج: «وأبو حنيفة».
(٦) ك، ص، ج: «وان».
وهاتان الحجَّتان واهيتان، فإنَّه إنَّما كان قارنًا١ لمَّا طاف للعمرة، فكان طوافه للعمرة مغنيًا عن طواف القدوم، كمن دخل المسجد فرأى الصَّلاة قائمةً، فدخل فيها، قامت مقامَ تحيَّة المسجد وأغنَتْه عنها.
وأيضًا فإنَّ الصَّحابة لمَّا أحرموا بالحج مع النبيِّ ﷺ لم يطوفوا عقيبَه، وكان أكثرهم متمتِّعًا. وروى الحسن٢ عن أبي حنيفة أنَّه إن٣ أحرم يوم التَّروية قبل الزَّوال طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزَّوال لم يطفْ، وفرَّق بين الوقتين بأنَّه بعد الزَّوال يخرج من فَوره إلى منًى، فلا يشتغل عن الخروج بغيره، وقبلَ الزَّوال لا يخرج فيطوف. وقول ابن عبَّاسٍ والجمهور هو الصَّحيح الموافق٤ لعمل الصَّحابة، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
والطَّائفة الثَّانية قالت: إنَّه ﷺ سعى مع هذا الطَّواف، وقالوا: هذا حجَّةٌ في أنَّ القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين. وهذا غلطٌ عليه كما تقدَّم، والصَّواب أنَّه لم يسْعَ إلا سعيَه الأوَّل كما قالته عائشة وجابر، ولم يصحَّ عنه في السَّعيين حرفٌ واحدٌ، بل كلُّها باطلةٌ كما تقدَّم، فعليك بمراجعته.
(١) ك، ص، ج: «قادمًا». والمثبت من ق، ب، مب.
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: «محمد بن الحسن».