قلت: وإنَّما١ نشأ الغلط من تسمية الطواف، فإنَّ النبيَّ ﷺ أخَّر طواف الوداع إلى اللَّيل، كما ثبت في «الصَّحيحين»٢ من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ... فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فنزلنا المحصَّبَ، فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، فقال: «اخرجْ بأختك من الحرم، ثمَّ افرغا من طوافكما، ثمَّ تأتياني٣ هاهنا بالمحصَّب». قالت: فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف اللَّيل، فأتيناه بالمحصَّب، فقال: فرغتما؟ قلنا: نعم. فأذَّن في النَّاس بالرَّحيل، فمرَّ بالبيت فطاف به، ثمَّ ارتحل متوجِّهًا إلى المدينة. فهذا هو الطَّواف الذي أخَّره إلى اللَّيل بلا ريبٍ، فغلِطَ فيه أبو الزبير أو من حدَّثه به٤، وقال: طواف الزِّيارة، والله الموفِّق.
ولم يرمُلْ ﷺ في هذا الطَّواف ولا في طواف الوداع٥، وإنَّما رمل في طواف القدوم.
فصل
ثمَّ أتى زمزمَ بعد أن قضى طوافه وهم يستقون فقال: «لولا أن يَغلِبكم النَّاس لنزلتُ فسقيتُ معكم»٦، ثمَّ ناولوه الدَّلو، فشرِب وهو
(١) «وإنما» ليست في ب.
(٢) البخاري (١٥٦٠) ومسلم (١٢١١/ ١٢٣).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «ائتياني».
(٤) «به» ليست في ك.
(٥) رواه أبو داود (٢٠٠١) وابن ماجه (٣٠٦٠)، وصححه الحاكم (١/ ٤٧٥) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٢٤٤).
(٦) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) من حديث جابر ﵁ .
قائمٌ١. فقيل: هذا نسخٌ لنهيه عن الشُّرب قائمًا، وقيل: بل بيانٌ منه لأن النَّهي على وجه الاختيار وتركِ الأولى، وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر.
وهل كان في طوافه هذا راكبًا أو ماشيًا؟ فروى مسلم في «صحيحه»٢ عن جابر قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجَّة الوداع على راحلته، يستلم الحجر٣ بمِحْجَنِه لأن يراه النَّاس، وليُشْرِفَ، وليسألوه، فإنَّ النَّاس غَشُوه.
وفي «الصَّحيحين»٤ عن ابن عبَّاسٍ قال: طاف النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع على بعيرٍ يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ.
وهذا الطَّواف ليس بطواف الوداع فإنِّه كان ليلًا، وليس بطواف القدوم لوجهين:
أحدهما: أنَّه قد صحَّ عنه الرَّمل في طواف القدوم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: رملَتْ به راحلته، وإنَّما قالوا: رَمَلَ نفسه٥.
والثَّاني: قول عمرو بن الشَّرِيد٦: أفضتُ مع رسول الله ﷺ، فما مسَّت
(١) رواه البخاري (١٦٣٧) ومسلم (٢٠٢٧/ ١١٧) من حديث ابن عباس ﵄ .
(٢) برقم (١٢٧٣/ ٢٥٤) من حديث جابر ﵁ .
(٣) في المطبوع: «الركن» خلاف النسخ و«صحيح مسلم».
(٤) رواه البخاري (١٦٠٧) ومسلم (١٢٧٢) من حديث ابن عباس ﵄ .
(٥) رواه مسلم (١٢٦٣) من حديث جابر ﵁ .
(٦) كذا في جميع النسخ. والصواب: «الشريد» أبوه كما في مصدر التخريج. وصوَّبه في المطبوع إلى: «الشريد بن سويد».