عائشة. واختُلِف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم١: قول عائشة وجابر أولى، وتبعه على هذا جماعةٌ، ورجَّحوا هذا القول بوجوهٍ٢:
أحدها: أن رُواتَه اثنان٣، وهما أولى من الواحد.
الثَّاني: أنَّ عائشة أخصُّ النَّاس به، ولها من القرب والاختصاص والمزيَّة ما ليس لغيرها.
الثَّالث: أنَّ سياق جابر لحجَّة النبيِّ ﷺ من أوَّلها إلى آخرها أتمُّ سياقٍ، وقد حفظ القصَّة وضبطَها، حتَّى ضبط جزئيَّاتِها، حتَّى ضبط منها أمرًا لا يتعلَّق بالمناسك، وهو نزول النبيِّ ﷺ ليلةَ جمعٍ٤ في الطَّريق، فقضى حاجته عند الشِّعب، ثمَّ توضَّأ وضوءًا خفيفًا. فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يومَ النَّحر أولى.
الرَّابع: أنَّ حجَّة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي اللَّيل والنَّهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس إلى منًى، وخطب بها النَّاس، ونحر بُدْنًا عظيمةً وقسَمَها، وطُبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،
(١) قال في «حجة الوداع» (ص ٢٠٩): وهما ــ والله أعلم ــ أضبط لذلك من ابن عمر، فعائشة أخص به ﵇ من جميع الناس. وانظر (ص ٢٩٦) منه. ولكنه في (ص ١٢٤) قال: أشكل علينا الفصل فيه بصحة الطرق في ذلك، ولا شك أن أحد الخبرين وهم والثاني صحيح، ولا ندري أيهما هو.
(٢) انظر بعضها عند ابن حزم في «حجة الوداع» (ص ٢٩٦).
(٣) كذا في أكثر النسخ. وفي مب: «روايه». وفي المطبوع: «أنه رواية اثنين».
(٤) «ليلة جمع» ليست في م، مب.
وتطيَّب١، ثمَّ أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم ومن نبيذ السِّقاية، ووقف عليهم وهم يَسقُون. وهذه أعمالٌ يبدو في الأظهر أنَّها لا تنقضي في مقدارٍ يمكن معه الرُّجوع إلى منًى، بحيث يدرك وقت الظُّهر في فصل آذار.
الخامس: أنَّ هذين الحديثين جاريان مجرى النَّاقل والمُبقي، فإن عادته ﷺ كانت في حجَّته الصَّلاة في منزله الذي هو نازلٌ فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة الأمر الذي هو خارجٌ عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ.
ورجَّحت طائفةٌ أخرى قول ابن عمر بوجوهٍ:
أحدها: أنَّه لو صلَّى الظُّهر بمكَّة لم يُصلِّ أصحابه بمنًى وُحدانًا ولا زَرافاتٍ، بل لم يكن لهم بدٌّ من الصَّلاة خلف إمامٍ يكون نائبًا عنه، ولم ينقل هذا أحدٌ قطُّ، ولا نقل أحدٌ أنَّه استناب من يصلِّي بهم. ولولا علمه أنَّه يرجع إليهم فيصلِّي بهم لقال: إن حضرت الصَّلاة ولستُ عندكم فليصلِّ بكم فلانٌ، وحيثُ لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلَّى الصَّحابة هناك٢ وُحدانًا قطعًا، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلُّوا عِزِين٣، عُلِم أنَّهم صلَّوا معه على عادتهم.
الثَّاني: أنَّه لو صلَّى بمكَّة لكان خلفه بعض أهل البلد وهو مقيم٤،
(١) بعدها في ص، ك، ج: «وخطب». وليست في ق، م، ب، مب.