وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله١، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع؟
السَّادس: أنَّ حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فرُوي عنها على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أنَّه طاف نهارًا، الثَّاني: أنَّه أخَّر الطَّواف إلى اللَّيل، الثَّالث: أنَّه أفاض من آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصَّلاة، بخلاف حديث ابن عمر.
السَّابع: أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ منه بلا نزاعٍ، فإنَّ حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها، وابن إسحاق مختلَفٌ٢ في الاحتجاج به، ولم يصرِّح بالسَّماع بل عنعنه، فكيف يُقدَّم على قول٣ عبيد الله: حدَّثني نافع عن ابن عمر.
الثَّامن: أنَّ حديث عائشة ليس بالبيِّن أنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة، فإنَّ لفظه هكذا: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلَّى الظُّهر، ثمَّ دفع٤ إلى منًى، فمكث بها ليالي أيَّام التَّشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشَّمس، كلَّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ». فأين دلالة هذا الحديث الصَّريحة٥ على أنَّه صلَّى الظُّهر يومئذٍ بمكَّة؟ وأين هذا في صريح الدَّلالة إلى قول ابن عمر: «أفاض
(١) بعدها في المطبوع: «بن عمر العمري»، وليست في النسخ.
(٢) ص، ج: «يختلف».
(٣) ص: «حديث».
(٤) في المطبوع: «رجع».
(٥) ك: «الصريح».
يوم النَّحر، ثمَّ صلَّى الظُّهر بمنًى»؟ يعني راجعًا، وأين حديثٌ اتَّفق أصحاب الصَّحيح على إخراجه إلى حديثٍ اختُلِف في الاحتجاج به؟ والله أعلم.
فصل
قال ابن حزمٍ١: وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء النَّاس وهي شاكيةٌ، استأذنت النبيَّ ﷺ في ذلك اليوم فأذِن لها. واحتجَّ عليه بما رواه مسلم في «صحيحه»٢ من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، قالت: شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أنِّي أشتكي، فقال: «طوفي من وراء النَّاس وأنتِ راكبةٌ»، قالت: فطفتُ ورسول الله ﷺ حينئذٍ يصلِّي إلى جانب٣ البيت، وهو يقرأ: ﴿وَالطُّورِ ١ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾[الطور: ١ - ٢].
ولا يتبيَّن أنَّ هذا الطَّواف هو طواف الإفاضة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطَّواف بالطُّور، ولا جهر في القراءة بالنَّهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء النَّاس. وقد بيَّن أبو محمد غلطَ من قال: إنَّه أخَّره إلى اللَّيل، وأصاب في ذلك. وقد صحَّح هو٤ حديث عائشة أنَّ٥ النبيَّ ﷺ أرسل بأم سلمة ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضتْ فأفاضت٦. فكيف يلتئم هذا مع
(١) في «حجة الوداع» (ص ١٢٤).
(٢) برقم (١٢٧٦).
(٣) في المطبوع: «جنب» خلاف النسخ.
(٤) مب: «وقد صحح من». وفي المطبوع: «وقد صح من» والمثبت من بقية النسخ.
(٥) «أن» ليست في ص.
(٦) رواه أبو داود (١٩٤٢)، وفي إسناده الضحاك فيه لين، مع اضطراب في سنده ومتنه. انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٧٦) و«الإرواء» (٤/ ٢٧٧).