وبالجملة، فلا ريبَ أنَّ عامَّة أدعيته الَّتي كان يدعو بها، وعلَّمها الصِّدِّيق إنَّما هي في صلب الصَّلاة. وأمَّا حديث معاذ بن جبلٍ: «لا تنسَ أن تقول دُبُرَ٢ كلِّ صلاةٍ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك»٣، فدُبُر الصَّلاة يراد به آخرها قبل السَّلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السَّلام منها، كقوله: «تُسبِّحون الله٤ دُبُرَ٥ كلِّ صلاةٍ»٦ الحديثَ.
فصل
ولم يزل في نفسي: هل كان يرمي قبل صلاة الظُّهر أو بعدها؟ والَّذي يغلب على الظنِّ أنَّه كان يرمي قبل الصَّلاة٧، ثمَّ يرجع فيصلِّي؛ لأنَّ جابرًا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشَّمس، فعقَّبوا زوال الشَّمس برميه.
(١) روى أحمد (٩٢٨٥) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: «اللهم خلِّص الوليد ...»، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، ضعيف.
(٢) ك: «في دبر».
(٣) رواه أحمد (٢٢١٢٦) وأبو داود (١٥٢٢) والنسائي (١٣٠٣)، وصححه ابن خزيمة (٧٥١) وابن حبان (٢٠٢٠) والحاكم (١/ ٢٧٣) والنووي في «الأذكار» (ص ٧٣)، وقواه ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص ٩٦)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٥/ ٢٥٣).
(٤) بعدها في المطبوع: «وتكبرون وتحمدون»، وليست في النسخ.
(٥) ج: «في دبر».
(٦) رواه البخاري (٦٣٢٩) ومسلم (٥٩٥/ ١٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ .
(٧) ك: «صلاة الظهر».
وأيضًا فإنَّ وقت الزَّوال للرَّمي أيَّامَ منًى كطلوع الشَّمس لرمي يوم النَّحر، والنبيُّ ﷺ يوم النَّحر لمَّا دخل وقت الرَّمي لم يقدِّم عليه شيئًا من عبادات ذلك اليوم.
وأيضًا فإنَّ الترمذي وابن ماجه رويا في «سننهما»١ عن ابن عبَّاسٍ: كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشَّمس. زاد ابن ماجه: «قدر ما إذا فرغ من رميه صلَّى الظُّهر». وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجَّاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان بن شيبة٢ أبو شيبة ولا يحتجُّ به٣. ولكن ليس في الباب غير هذا.
وذكر الإمام أحمد٤ أنَّه كان يرمي يوم النَّحر راكبًا، وأيَّامَ منًى ماشيًا في ذهابه ورجوعه.
فصل
فقد تضمَّنت حجَّته ﷺ ستَّ وقفاتٍ للدُّعاء:
(١) الترمذي (٨٩٨) وابن ماجه (٣٠٥٤)، وسيأتي كلام المؤلف على إسنادهما. وحديث الحجاج يشهد له حديث جابر عند مسلم (١٢٩٩/ ٣١٤)، ولفظه: «رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس».
(٢) كذا في ق، ك، ص، ج، م، مب. وفي ب: «بن أبي شيبة». وكلاهما خطأ. والصواب: «إبراهيم بن عثمان بن خواستي» كما في كتب التراجم.
(٣) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» (٢/ ١٤٧). وفي إسناده أيضًا جُبارة بن المغلس، ضعيف. انظر: «تهذيب الكمال» (٤/ ٤٨٩).
(٤) في «مسنده» (٥٩٤٤) و(٦٢٢٢) من حديث ابن عمر ﵄، وهو صحيح. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠٧٢) و«صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٢١١).