وقالت عائشة١: خرج رسول الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيِّب النَّفس، ثمَّ رجع إليَّ وهو حزين القلب، فقلت: يا رسول اللَّه، خرجت من عندي وأنت كذا وكذا. فقال: «إنِّي دخلتُ الكعبة، ووددتُ أنِّي لم أكن فعلتُ، إنِّي أخاف أن أكون قد أتعبتُ أمَّتي من بعدي». فهذا ليس فيه أنَّه كان في٢ حجَّته، بل إذا تأمَّلته حقَّ التَّأمُّل أطلعك التَّأمُّل على أنَّه كان في غزاة الفتح، والله أعلم.
وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تصلِّي في الحِجْر ركعتين٣.
فصل
وأمَّا المسألة الثَّانية: وهي وقوفه في الملتزم، فالَّذي رُوي عنه أنَّه فعله يوم الفتح، ففي «سنن أبي داود»٤ عن عبد الرحمن بن صفوان٥ قال: لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكَّة انطلقتُ، فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة
(١) رواه أبو داود (٢٠٢٩) والترمذي (٨٧٣) وابن ماجه (٣٠٦٤)، وفي إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير متكلم فيه. انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٩٤) و«السلسلة الضعيفة» (٣٣٤٦).
(٢) في المطبوع: «فيه» خلاف النسخ.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٦١٦) وأبو داود (٢٠٢٨) والترمذي (٨٧٦) والنسائي (٢٩١٢) من حديث عائشة ﵂. وصححه الترمذي وابن خزيمة (٣٠١٨).
(٤) برقم (١٨٩٨)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد متكلم فيه. وانظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٧١).
(٥) في المطبوع: «أبي صفوان»، خطأ.
هو وأصحابه، قد استلموا الرُّكن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودَهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطَهم.
وروى أبو داود١ أيضًا من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: طفتُ مع عبد الله، فلمَّا حاذى دُبُرَ الكعبة قلت: ألا٢ تتعوَّذ؟ قال: نعوذ بالله من النَّار، ثمَّ مضى حتَّى استلم الحجر، فقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفَّيه٣ هكذا، وبسطَها٤ بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
فهذا يحتمل أن يكون وقتَ٥ الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشَّافعيُّ بعده وغيرهما: إنَّه يُستحبُّ أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو. وكان ابن عبَّاسٍ يلزم٦ ما بين الرُّكن والباب، وكان يقول: «لا يلتزم ما بينهما أحدٌ يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إيَّاه»٧، والله أعلم.
(١) برقم (١٨٩٩) وابن ماجه (٢٩٦٢)، و«عن جده» سهو من المؤلف، وهو مقحم، لأن القائل هو شعيب، فإنه طاف مع جده عبد الله. وفي إسناده المثنى بن الصباح ضعيف؛ لكن التزام ما بين الركن والباب المذكور في هذا الحديث، يشهد له الحديث الذي قبله، وأحاديث أخرى موقوفة صحيحة. انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ١٧٢) و«السلسلة الصحيحة» (٢١٣٨).
(٢) ك: «أما».
(٣) ج: «ذراعه».
(٤) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بسطهما».
(٥) في المطبوع: «في وقت» خلاف النسخ.
(٦) كذا في النسخ هنا. وفي الموضع الآتي: «يلتزم». وفي المطبوع في الموضعين: «يلتزم».