رأيتها رافعةً يديها حتَّى أتى منًى. رواه أبو داود١.
وكذلك أنكره طاوسٌ والشعبيُّ، قال الشعبيُّ: حدَّثني أسامة بن زيدٍ أنَّه أفاض مع رسول الله ﷺ من عرفة، فلم ترفع راحلته رجليها غاديةً٢ حتَّى بلغ جمعًا. قال: وحدَّثني الفضل بن عبَّاسٍ أنَّه كان رديفَ رسول الله ﷺ٣ من جمعٍ، فلم ترفع راحلته رجليها غاديةً حتَّى رمى الجمرة٤. وقال عطاء: إنَّما أحدث هؤلاء الإسراع، يريدون أن يفوتوا الغبارَ٥.
ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقتَ الدَّفع من عرفة الذي يفعله الأعراب وجُفاة النَّاس بالإيضاع في وادي محسِّرٍ، فإنَّ الإيضاع هناك بدعةٌ لم يفعله رسول الله ﷺ، بل نهى عنه، والإيضاع في وادي محسِّرٍ سنَّةٌ نقلها عن رسول الله ﷺ جابر وعليُّ بن أبي طالبٍ والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وفعله عمر بن الخطَّاب، وكان ابن الزبير يُوضِع أشدَّ الإيضاع، وفعلته عائشة، وغيرهم٦ من الصَّحابة٧، والقول في هذا قول من أثبتَ، لا قول من نفى، والله أعلم.
(١) برقم (١٩٢٠)، ورواه أحمد (٢٥٠٧) والحاكم (١/ ٤٦٥)، والبيهقي (٥/ ١٢٦)، وصححه الحاكم والألباني، والحديث عند البخاري من طريق آخر مختصرًا (١٦٧١). وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ١٦٨).
(٢) ق، ب، مب: «رجلها عادية». والمثبت من بقية النسخ. والرواية في المصادر بالوجهين.
(٣) بعدها خرم كبير في م يبلغ مئة صفحة من هذه الطبعة.
(٤) رواه أحمد (١٨٢٩) والبيهقي (٥/ ١٢٧).
(٥) أورده البيهقي (٥/ ١٢٧).
(٦) ك: «وغيرها».
(٧) انظر هذه الأحاديث والآثار في «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ١٢٥، ١٢٦).
فصل
ومنها: وهمُ طاوسٍ وغيره أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُفيض كلَّ ليلةٍ من ليالي منًى إلى البيت، وقال البخاريُّ في «صحيحه»١: ويُذكر عن أبي حسّان عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يزور البيت أيَّام منًى. ورواه ابن عَرْعَرة٢ قال: دفع إلينا معاذ بن هشامٍ كتابًا، قال: سمعته من أبي، ولم يقرأه، قال: وكان فيه عن أبي حسان عن ابن عبَّاسٍ أنَّ نبيَّ الله ﷺ كان يزور البيت كلَّ ليلةٍ ما دام بمنًى، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. انتهى. ورواه الثَّوريُّ في «جامعه» عن ابن طاوس عن أبيه مرسلًا٣.
وهو وهمٌ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يرجع إلى مكَّة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منًى إلى حين الوداع، والله أعلم.
فصل
ومنها: وهمُ من قال: إنَّه ودَّع مرَّتين، ووهمُ من قال: إنَّه جعل مكَّة دائرةً في دخوله وخروجه، فبات بذي طُوًى، ثمَّ دخل من أعلاها، ثمَّ خرج من أسفلها، ثمَّ رجع إلى المحصَّب عن يمين مكَّة، فكملت الدَّائرة.
ومنها: وهمُ من زعم أنَّه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة.
فهذه كلُّها من الأوهام، نبَّهنا عليها مفصَّلًا ومجملًا، وباللَّه التَّوفيق.
(١) معلقًا (٣/ ٥٦٧)، ووصله الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٥٦٧) والبيهقي (٥/ ١٤٦) وغيرهما من طريق ابن عرعرة بسند صحيح، والحديث صحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٨٠٤).