وقد تقدَّم أنَّه نحرَ بمنًى، وقال: «إنَّ فِجاج مكَّة كلَّها منحرٌ»٢، وقال ابن عبَّاسٍ: مناحرُ البُدْن بمكَّة، ولكنَّها نُزِّهت عن الدِّماء، ومنًى من مكَّة. وكان ابن عبَّاسٍ ينحر بمكَّة٣.
وأباح لأمَّته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزوَّدوا منها٤، ونهاهم مرَّةً أن يدَّخروا منها بعد ثلاثٍ لدافَّةٍ دفَّت٥ عليهم ذلك العامَ من النَّاس، فأحبَّ أن يوسِّعوا عليهم٦. وذكر أبو داود٧ من حديث جُبير بن نُفيرٍ عن ثوبان قال: ضحَّى رسول الله ﷺ، ثمَّ قال: «يا ثوبانُ، أصلِحْ لنا لحم هذه الشَّاة». قال: فما زلتُ أُطعِمه منها حتَّى قدِمَ المدينة.
وروى مسلم٨ هذه القصَّة، ولفظه فيها: أنَّ رسول الله ﷺ قال له في حجَّة الوداع: «أصلِحْ هذا اللَّحم»، قال: فأصلحتُه، فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة.
(١) رواه البخاري (٥٥٦٥) ومسلم (١٩٦٦/ ١٧) من حديث أنس ﵁ .
(٢) رواه أحمد (١٤٤٩٨) وأبو داود (١٩٣٧) وابن ماجه (٣٠٤٨) من حديث جابر﵁ -، وتقدم تخريجه.
(٣) رواهما البيهقي (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٤) «منها» ليست في ك.
(٥) أي لجماعة من الأعراب وردت المدينة، مواساةً لهم.
(٦) رواه مسلم (١٩٧١) من حديث عائشة ﵂ .
(٧) رواه أبو داود (٢٨١٤) من حديث ثوبان﵁ -، وهو عند مسلم أيضًا كما سيأتي.
(٨) برقم (١٩٧٥/ ٣٦) من حديث ثوبان ﵁ .
وكان ربَّما قَسَم لحوم الهدي١، وربَّما قال: «من شاء اقتطَعَ»٢، فعلَ هذا وهذا. واستُدِلَّ بهذا٣ على جواز النُّهبة في النِّثار في العرس ونحوه، وفرِّق بينهما بما لا يتبيَّن.
فصل
وكان هديه ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنًى، وكذلك كان ابن عمر يفعل٤. ولم ينحر هديه ﷺ قطُّ إلا بعد أن حلَّ، ولم ينحره قبل يوم النَّحر ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولم ينحره أيضًا إلا بعد طلوع الشَّمس وبعد الرَّمي. فهي أربعة أمورٍ مرتَّبةٍ٥ يوم النَّحر، أوَّلها: الرَّمي، ثمَّ النَّحر، ثمَّ الحلق، ثمَّ الطَّواف، وهكذا رتَّبها ﷺ٦، ولم يرخِّص في النَّحر قبل طلوع الشَّمس البتَّة، ولا ريبَ أنَّ ذلك مخالفٌ لهديه، فحكمه حكم الأضحيَّة إذا ذُبِحتْ قبل طلوع الشَّمس.
فصل
وأمَّا هديه في الأضاحي: فإنَّه ﷺ لم يكن يدع الأضحيَّة، وكان يضحِّي بكَبْشين، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد، وأخبر أنَّ من ذبح قبل الصَّلاة فليس من النُّسك في شيءٍ، وإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله٧. هذا الذي دلَّت
(١) رواه البخاري (١٧١٨) ومسلم (١٣١٧/ ٣٤٩) من حديث علي ﵁.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ك: «به».
(٤) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ١٠٢).
(٥) ج: «مترتبة».
(٦) انظر: «صحيح مسلم» (١٣٠٥).
(٧) رواه البخاري (٥٥٤٥) ومسلم (١٩٦١/ ٧) من حديث البراء ﵁.