وكان ربَّما قَسَم لحوم الهدي١، وربَّما قال: «من شاء اقتطَعَ»٢، فعلَ هذا وهذا. واستُدِلَّ بهذا٣ على جواز النُّهبة في النِّثار في العرس ونحوه، وفرِّق بينهما بما لا يتبيَّن.
فصل
وكان هديه ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنًى، وكذلك كان ابن عمر يفعل٤. ولم ينحر هديه ﷺ قطُّ إلا بعد أن حلَّ، ولم ينحره قبل يوم النَّحر ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولم ينحره أيضًا إلا بعد طلوع الشَّمس وبعد الرَّمي. فهي أربعة أمورٍ مرتَّبةٍ٥ يوم النَّحر، أوَّلها: الرَّمي، ثمَّ النَّحر، ثمَّ الحلق، ثمَّ الطَّواف، وهكذا رتَّبها ﷺ٦، ولم يرخِّص في النَّحر قبل طلوع الشَّمس البتَّة، ولا ريبَ أنَّ ذلك مخالفٌ لهديه، فحكمه حكم الأضحيَّة إذا ذُبِحتْ قبل طلوع الشَّمس.
فصل
وأمَّا هديه في الأضاحي: فإنَّه ﷺ لم يكن يدع الأضحيَّة، وكان يضحِّي بكَبْشين، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد، وأخبر أنَّ من ذبح قبل الصَّلاة فليس من النُّسك في شيءٍ، وإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله٧. هذا الذي دلَّت
(١) رواه البخاري (١٧١٨) ومسلم (١٣١٧/ ٣٤٩) من حديث علي ﵁.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ك: «به».
(٤) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ١٠٢).
(٥) ج: «مترتبة».
(٦) انظر: «صحيح مسلم» (١٣٠٥).
(٧) رواه البخاري (٥٥٤٥) ومسلم (١٩٦١/ ٧) من حديث البراء ﵁.
عليه سنَّته وهديه، لا الاعتبار بوقت الصَّلاة والخطبة، بل بنفس فعلها. وهذا هو الذي ندين الله به. وأمرَهم أن يذبحوا الجَذَعَ من الضَّأن١ والثَّنيَّ ممَّا سواه٢، وهو السنة٣.
وروي عنه أنَّه قال: «كلُّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ»٤، لكنَّ الحديث منقطعٌ لا يثبت وصله.
وأمَّا نهيه عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ٥ فلا يدلُّ على أنَّ أيَّام الذَّبح ثلاثةٌ فقط؛ لأنَّ الحديث دليلٌ على نهي الذَّابح أن يدَّخر شيئًا فوق ثلاثة أيَّامٍ من يوم ذبحه، فلو أخَّر الذَّبح إلى اليوم الثَّالث لجاز له الادِّخار في وقت النَّهي٦ ما بينه وبين ثلاثة أيَّامٍ. والَّذين حدَّدوه بالثَّلاث فهموا من نهيه عن الادِّخار فوق ثلاثٍ أنَّ أوَّلها٧ من يوم النَّحر، قالوا: وغير جائزٍ أن يكون
(١) رواه النسائي (٤٣٨٢) وابن الجارود (٩٠٥) من حديث عقبة بن عامر ﵁، وصححه ابن حبان (٥٩٠٤)، وقوى إسناده ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢١)، وجوَّده الألباني في «الإرواء» (٤/ ٣٥٨).
(٢) رواه مسلم (١٩٦٣) من حديث جابر ﵁ .
(٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «وهي المسنّة».
(٤) رواه أحمد (١٦٧٥٢) من حديث جبير بن معطم ﵁، وإسناده ضعيف، والحديث صحيح بمجموع طرقه، وقد صححه ابن حبان (٣٨٤٣). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٤٦٤، ٢٤٧٦).
(٥) رواه البخاري (٥٥٧٣) ومسلم (١٩٦٩/ ٢٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ .