زاد المعاد

لمعنًى آخر قد أشار إليه في الحديث، وهو قوله: «فإنَّك تقول: أثَمَّ١ هو؟ فيقال: لا»٢. والله أعلمُ٣ هل هذه الزِّيادة من تمام الحديث المرفوع أو مدرجةٌ من قول الصحابيِّ؟ وبكلِّ حالٍ فإنَّ هذه الأسماء لمَّا كانت قد تُوجِب تطيُّرًا تكرهه النُّفوس، ويصدُّها عمَّا هي بصددِه، كما إذا قلت لرجلٍ: أعندك يسارٌ أو رباحٌ أو أفلح؟ قال: لا، تطيَّرتَ أنت وهو من ذلك. وقد تقع الطِّيرة ولا سيَّما على المتطيِّرين، فقلَّ من تطيَّر إلا وقعتْ٤ به طِيرتُه٥، وأصابه طائره، كما قيل:

تَعلَّمْ أنَّه لا طَيرَ إلَّاعلى متطيِّرٍ فهو٦ الثُّبورُ٧

فاقتضت٨ حكمة الشَّارع الرَّؤوف بأمَّته الرَّحيم بهم أن يمنعهم من أسبابٍ تُوجِب لهم سماعَ المكروه أو وقوعَه، وأن يعدل عنها إلى أسماءٍ تُحصِّل المقصود من غير مفسدةٍ. هذا إلى٩ ما ينضاف إلى ذلك من تعليق

  1. (١) في المطبوع: «أثَمَّتَ»، خطأ، وهو خلاف النسخ والرواية واللغة.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) «والله أعلم» ليست في ك.
  4. (٤) ب، مب: «ووقعت».
  5. (٥) ك: «الطيرة».
  6. (٦) ك، ج، ق: «فهي». والمثبت من ب، مب. والرواية بالوجهين.
  7. (٧) البيت لزبّان بن سيّار في «البيان والتبيين» (٣/ ٣٠٥) و«الحيوان» (٣/ ٤٤٧، ٥/ ٥٥٥) و«المعاني الكبير» (١/ ٢٦٧) ضمن أبيات يقولها للنابغة الذبياني.
  8. (٨) جواب «لما كانت» قبل أسطر.
  9. (٩) في المطبوع: «هذا أولى مع» خلاف النسخ.
409

ضدِّ الاسم عليه: بأن يسمَّى يسارًا مَن هو من أعسر النَّاس، ونجيحًا من لا نجاحَ عنده، ورباحًا من هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى اللَّه. وأمرٌ آخر أيضًا، وهو أن يطالب المسمَّى بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده فيجعل ذلك سببًا لذمِّه وسبِّه كما قيل١:

سَمَّوك مِن جَهْلِهم سَديدًاواللهِ ما فيك من سَدادِ
أنت الذي كونُه فسادًافي عالم الكون والفسادِ٢

فتوصَّل الشَّاعر بهذا الاسم إلى ذمِّ المسمَّى به. ولي من أبياتٍ:

وسَمَّيتُه صالحًا فاغتدىبضدِّ اسمِه في الورى سائرا
وظَنَّ بأنَّ اسمه ساترٌلأوصافه فغدا شاهِرا

وهذا كما أنَّ من المدح ما يكون ذمًّا وموجبًا لسقوط مرتبة الممدوح عند النَّاس، فإنَّه يمدح بما ليس فيه، فتطالبه النُّفوس بما مدح به وتظنُّه عنده فلا تجده كذلك، فينقلب ذمًّا، ولو ترك بغير مِدْحةٍ لم تحصل له هذه المفسدة. ويُشبه حالُه حالَ من وُلي ولايةً سنيَّةً٣، ثمَّ عُزِل عنها، فإنَّه يَنقُص مرتبته عمَّا كانت قبل الولاية، وينقص في نفوس النَّاس عمَّا كان عليه قبلها، وفي هذا قال القائل٤:

إذا ما وصفتَ امرأً لامرئٍفلا تَغْلُ في وصفِه واقْصِدِ
  1. (١) لم أجد البيتين فيما رجعت إليه من مصادر.
  2. (٢) هنا ينتهي الخرم الكبير في ص.
  3. (٣) في المطبوع: «سيئة»، تحريف.
  4. (٤) هو ابن الرومي، انظر: «ديوانه» (٢/ ٦٨٨).
410

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي