فإنَّك إن تَغْلُ تَغْلُ الظُّنونُ فيه إلى الأمدِ الأبعدِ
فينقُصُ من حيثُ عظَّمتَهلفضل المَغِيبِ على١ المَشْهد
وأمرٌ آخر أيضًا٢، وهو ظنُّ المسمَّى واعتقاده في نفسه أنَّه كذلك، فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها وترفُّعِها على غيره، وهذا هو المعنى الذي نهى النبيُّ ﷺ لأجله أن تُسمَّى برَّةً، وقال: «لا تُزكُّوا أنفسَكم، الله أعلمُ بأهل البِرِّ منكم»٣. وعلى هذا فتُكْره التَّسمية بـ: التَّقيِّ، والمتَّقي، والمطيع، والطَّائع، والرَّاضي، والمحسن، والمخلص، والمنيب، والرَّشيد، والسَّديد. وأمَّا تسمية الكفَّار بذلك فلا يجوز التَّمكين منه، ولا دعاؤهم بشيءٍ من هذه الأسماء، ولا الإخبار عنهم بها، والله ﷿ يغضب من تسميتهم بذلك.
فصل
وأمَّا الكنية فهي نوعُ٤ تكريمٍ للمَكْنيِّ وتنويهٍ به، كما قال٥:
(٥) بعدها في المطبوع: «الشاعر»، وليس في النسخ. والبيت لبعض الفزاريين في «ديوان الحماسة» (١/ ٥٧٤).
(٦) في المطبوع: «والسوءةُ اللقبُ». والرواية بالنصب، وكذا في جميع النسخ، وهو من شواهد النحو المشهورة. وانظر توجيه النصب في «المقاصد النحوية» للعيني (٣/ ٨٩) و«شرح الأشموني» (١/ ٢٢٤) و«خزانة الأدب» (٤/ ٦).
وكنى النبيُّ ﷺ صُهيبًا بأبي يحيى١، وكنى عليًّا بأبي تراب إلى كنيته بأبي الحسن، وكانت أحبَّ كنيته إليه٢، وكنى أخا أنس بن مالكٍ وكان صغيرًا دون البلوغ بأبي عُمَير٣.
وكان هديه ﷺ تكنية من له ولدٌ ومن لا ولدَ له، ولم يثبت عنه أنَّه نهى عن كنيةٍ إلا الكنية بأبي القاسم، فصحَّ عنه أنَّه قال: «تَسمَّوا باسْمي، ولا تَكَنَّوا بكُنيتي»٤، فاختلف النَّاس في ذلك على أربعة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه لا يجوز التكنِّي بكنيته مطلقًا، سواءٌ أفردها عن اسمه أو قرنَها به، وسواءٌ محياه وبعد وفاته، وعمدتهم عموم هذا٥ الحديث الصَّحيح وإطلاقه. حكى البيهقي٦ ذلك عن الشَّافعيِّ. قالوا: ولأنَّ النَّهي إنَّما كان لأنَّ معنى٧ هذه الكنية والتَّسمية مختصَّةٌ به ﷺ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «واللَّهِ لا أُعطِي أحدًا ولا أَمنعُ أحدًا، وإنَّما أنا قاسمٌ أضَعُ حيثُ أُمِرْتُ»٨. قالوا: ومعلومٌ أنَّ هذه الصفة ليست على الكمال لغيره.
(١) رواه ابن ماجه (٣٧٣٨)، وحسنه البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١١٩) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٤).
(٢) رواه البخاري (٦٢٠٤) من حديث سهل بن سعد ﵄.
(٣) رواه البخاري (٦١٢٩) ومسلم (٢١٥٠) من حديث أنس ﵁.
(٤) رواه البخاري (٣٥٣٨) ومسلم (٢١٣٣/ ٣) من حديث جابر ﵁.
(٥) «هذا» ليست في ب، ك، مب.
(٦) في «السنن الكبرى» (٩/ ٣٠٩).
(٧) ك: «كان لمعنى».
(٨) أقرب الألفاظ عند البخاري (٣١١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.