رسول الله ﷺ قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وإنَّا في جُلْجُبِيَّتِنا١، فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتَّى هلك.
وقد كنى عائشة بأم عبد الله٢. وكان لنسائه أيضًا كُنًى كأم حبيبة وأم سلمة.
فصل
ونهى رسول الله ﷺ عن تسمية العنب كَرْمًا، وقال: «الكَرْم قلبُ المؤمن»٣. وهذا لأنَّ هذه اللَّفظة تدلُّ على كثرة الخير والمنافع في المسمَّى بها، وقلب المؤمن هو المستحقُّ لذلك دون شجرة العنب، ولكن: هل المراد النَّهي عن تخصيص شجر العنب بهذا الاسم، وأنَّ قلب المؤمن أولى به منه،
(١) هكذا ضُبطت الكلمة في ق، وهي كذلك في نسخة قديمة من «سنن أبي داود» وهي بأربع أسنان بعد الجيم في النسخ. وقد اختلف في ضبطها اختلافًا كثيرًا في نسخ السنن، انظر: «سنن أبي داود» طبعة دار القبلة (٥/ ٣٣٩) وطبعة دار التأصيل (٧/ ٤١١). وفي هامش «تهذيب السنن» للمنذري (٧/ ٢٥٩): قال ابن ناصر: الصواب «في جَلَجَتِنا»، قيل: معناه بقينا في عدد من أمثالنا من المسلمين لا ندري ما يُصنَع بنا. وفي «تهذيب اللغة» و«النهاية» و«اللسان» (جلج) عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني: الجَلَج رؤوس الناس، واحدها جَلَجة، قال الأزهري: فالمعنى أنا بقينا في عدد رؤوس كثيرة من المسلمين. وتصحَّف في «جامع الأصول» (١/ ٣٦٢) إلى «جَلحتنا» بالحاء. ولم أجد «جلجبية» في المعاجم.
(٢) رواه أحمد (٢٥٥٣٠) وأبو داود (٤٩٧٠)، من حديث عائشة ﵂.، وصححه ابن حبان (٧١١٧) والحاكم (٤/ ٢٧٨) والنووي في «الأذكار» (ص ٢٩٥) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٢).
(٣) رواه البخاري (٦١٨٣) ومسلم (٢٢٤٧/ ٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
فلا يُمنَع من تسميته بالكرم١، كما قال في المسكين٢ والرَّقوب٣ والمفلس٤، أو المراد أنَّ تسميته بهذا مع اتِّخاذ الخمر المحرَّم منه وصفٌ بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشَّراب الخبيث المحرَّم، وذلك ذريعةٌ إلى مدْحِ ما حرَّم الله وتهييجِ النُّفوس عليه؟ هذا محتملٌ٥، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ، والأولى أن لا يُسمَّى شجر العنب كَرْمًا.
فصل
وقال ﷺ: «لا تَغلِبَنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنَّها العِشاء، وإنَّهم يُسمُّونها العَتَمَة»٦، وصحَّ عنه أنَّه قال: «لو يعلمون ما في العَتَمِة والصُّبح لأَتَوهما ولو حَبْوًا»٧، فقيل: هذا ناسخٌ للمنع، وقيل بالعكس، والصَّواب خلاف القولين، فإنَّ العلم بالتاريخ متعذِّرٌ، ولا تعارضَ بين
(١) ك، ج: «بهذا الكرم».
(٢) رواه البخاري (١٤٧٩) ومسلم (١٠٣٩/ ١٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٢٦٠٨) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه البخاري معلقًا (٨/ ٤٢)، ووصله مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) هنا وقع تردد للمؤلف في اختيار أحد القولين في علة النهي عن تسمية العنب كرمًا، لكنه رجح الأول في «تهذيب السنن» (٣/ ٣٧٧) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦٥٩).
(٦) رواه مسلم (٦٤٤/ ٢٢٨، ٢٢٩) من حديث عبد الله بن عمر، وتتمته في الموضع الأول: «وهم يعتمون بالإبل» وفي الثاني: «وإنها تعتم بحلاب الإبل»؛ دون زيادة: «وإنهم يسمونها العتمة». وهي بنحوها عند الحميدي (٦٥٢) وأحمد (٤٦٨٨). وزاد الشافعي: «وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون: العتمة، صاح وغضب»، انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٦٩).
(٧) رواه البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.