الحديثين، فإنَّه لم يَنْهَ عن إطلاق اسم العَتَمة بالكلِّيَّة، وإنَّما نهى عن أن يُهْجَر اسم العِشاء، وهو الاسم الذي سمَّاها١ الله به٢ في كتابه، ويغلب عليه اسم العتمة، فإذا سُمِّيت العشاء وأُطلِق عليها أحيانًا العَتَمة فلا بأس، والله أعلم.
وهذا محافظةً منه ﷺ على الأسماء الَّتي سمَّى الله بها العبادات، فلا تُهْجَر ويُؤثَرُ عليها غيرُها، كما فعله المتأخِّرون في هجران ألفاظ النُّصوص، وإيثارِ المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الفساد ما الله به عليمٌ. وهذا كما كان يحافظ على تقديم ما قدَّمه اللَّه، وتأخيرِ ما أخَّره، كما بدأ بالصَّفا وقال: «أبدأُ٣ بما بدأَ الله به»٤، وبدأ في العيد بالصَّلاة ثمَّ نحرَ بعدها، وأخبر أنَّ من ذَبحَ قبلَها فلا نُسكَ له٥، تقديمًا لما بدأ الله به٦ من قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾[الكوثر: ٢]، وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه ثمَّ اليدين ثمَّ الرَّأس ثمَّ الرِّجلين، تقديمًا لما قدَّمه اللَّه، وتأخيرًا لما أخَّره، وتوسيطًا لما وسَّطه، وقدَّم زكاة الفطر على صلاة العيد تقديمًا لما قدَّمه الله٧ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾[الأعلى: ١٤]، ونظائره كثيرةٌ.
(١) ك، ص، ج: «سماه».
(٢) «به» ليست في ق، ص.
(٣) ك: «ابدؤا».
(٤) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) ضمن حديث جابر ﵁ الطويل.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) «به» ليست في ص، ج.
(٧) لفظ الجلالة ليس في ق.
فصل
في هديه ﷺ في حفظ المنطق واختيار الألفاظ
كان يتخيَّر في خطابه، ويختار لأمَّته أحسنَ الألفاظ وأجملَها وألطفَها، وأبعدَها من ألفاظ أهل الجفاء والغِلْظة والفُحش١، فلم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا ولا فظًّا.
وكان يكره أن يستعمل اللَّفظ الشَّريف المَصُون في حقِّ من ليس كذلك، وأن يستعمل اللَّفظ المَهِين المكروه في حقِّ من ليس من أهله.
فمن الأوَّل: منعُه أن يقال للمنافق: «يا سيِّدنا»٢ وقال: «فإنْ يَكُ٣ سيِّدًا فقد أسخطتم٤ ربَّكم ﷿»٥، ومنْعُه أن يُسمَّى شجر العنب كَرْمًا٦، ومنْعُه تسمية أبي جهل بأبي الحَكَم٧، وكذلك تغييره لاسم أبي
(١) «والفحش» ليس في ص.
(٢) ج: «سيد» بدل «يا سيدنا».
(٣) ق، ب: «فإن لم يك». وهو خطأ مخالف للرواية.
(٤) ق، ب، ص، مب: «أغضبتم». والمثبت من بقية النسخ موافق للرواية.
(٥) رواه أحمد (٢٢٩٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٦٠) وأبو داود (٤٩٧٧) والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٠٠٢) من حديث بريدة ﵁. والحديث صححه النووي في «الأذكار» ت الأرنؤوط (ص ٣٦٢) والعراقي في «تخريج الإحياء» (ص ١٠٥٦) والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤٤٣٣) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٧١).
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) لم أجد ما يدل على المنع سوى أنَّ النبي ﷺ كان يكنيه أبا جهلٍ ومن الأمثلة على ذلك قوله ﷺ: «من ينظر ما صنع أبو جهل»، رواه البخاري (٤٠٢٠) ومسلم (١٨٠٠) من حديث أنس ﵁. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ١٠٨٢): «كان أبو جهل يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله ﷺ أبا جهل، فذهبت».