زاد المعاد

وفي حديثٍ آخر: «إنَّ العبد إذا لعنَ الشَّيطانَ يقول: إنَّك لتلعنُ مُلَعَّنًا»١.

ومثل هذا قول القائل: أخزى الله الشَّيطانَ، وقبَّح الله الشَّيطانَ، فإنَّ ذلك كلَّه يُفرِحه، ويقول: عَلِمَ ابنُ آدم أنِّي قد نِلتُه بقوَّتي، وذلك ممَّا يُعينه على إغوائه ولا يفيده شيئًا، فأرشد النبيُّ ﷺ مَن مَسَّه شيءٌ من الشَّيطان أن يذكر الله ويذكر اسمه ويستعيذ بالله منه، فإنَّ ذلك أنفعُ له وأغيظُ للشَّيطان.

فصل

ومن ذلك نهيهُ ﷺ أن يقول الرَّجل: «خَبُثَتْ نفسي»، ولكن يقول٢: «لَقِسَتْ نفسي»٣، ومعناهما واحدٌ أي: غَثَتْ وساء خُلُقها، فكره لهم لفظ الخبث لما فيه من القبح والشَّناعة، وأرشدهم إلى استعمال الحسن، وهجران القبيح٤، وإبدال اللَّفظ المكروه بأحسنَ منه.

  1. (١) رواه الديلمي في «مسند الفردوس» (١/ ١٥٢ - الغرائب الملتقطة) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ولفظه: «إذا لُعِنَ الشيطانُ قال لعنتَ ملعونًا، وإذا استعذتَ الله منه قال: كسرتَ ظهري». وفي إسناده موسى بن خاقان النحوي مختلف فيه، وبعض رواته لم أقف على تراجمهم. والحديث ذكره الدارقطني في «العلل» (١٠/ ١٤٨) بلفظ: «ملعنًا» وقال: «يرويه أبو حصين، حدث به عنه مسعر، واختلف عنه؛ فرفعه موسى بن خاقان عن يزيد بن هارون عن مسعر، وغيره يوقفه، وهو الصواب». انظر: ترجمة موسى بن خاقان في «تاريخ بغداد» (١٥/ ٣٧) و«لسان الميزان» (٨/ ١٩٥).
  2. (٢) ب: «ليقل». والمثبت من بقية النسخ.
  3. (٣) رواه البخاري (٦١٧٩) ومسلم (٢٢٥٠) من حديث عائشة ﵂.
  4. (٤) ص: «القبح».
424

ومن ذلك نهيه ﷺ عن قول القائل بعد فوات الأمر: «لَو أنِّي فعلتُ كذا وكذا»، وقال: «إنّها تفتح عملَ الشَّيطان»، وأرشده إلى ما هو أنفعُ له من هذه الكلمة، وهو أن يقول: «قَدَّر الله وما شاء فعلَ»١. وذلك لأنَّ قوله: لو كنت٢ فعلتُ كذا وكذا لم يَفُتْني ما فاتني، أو لم أقَعْ فيما وقعتُ فيه= كلامٌ لا يُجدِي عليه فائدةً البتَّةَ، فإنَّه غير مستقبلٍ لما استدبر من أمره٣، وغير مستقيلٍ عَثْرتَه بـ «لو»٤، وفي ضمنِ «لو» ادِّعاءُ أنَّ الأمر لو كان كما قدَّره في نفسه لكان غيرَ ما قضاه الله وقدَّره وشاءه، فإنَّ ما وقع ممَّا تمنَّى خلافه إنَّما٥ وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أنِّي فعلتُ كذا لكان خلاف ما وقع فهو محالٌ، إذ وقوعُ خلافِ المقدَّر المقضيِّ محالٌ، فقد تضمَّن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا، وإن سَلِم من التكذيب بالقدر لم يَسْلَم من معارضته بقوله: لو أنِّي فعلتُ لدفعتُ ما قُدِّرَ عليَّ.

فإن قيل: ليس في هذا ردٌّ للقدر٦ ولا جَحْدٌ٧ له، إذ تلك الأسباب التي تمنَّاها أيضًا من القدر، فهو يقول: لو وُفِّقْتُ٨ لهذا القدر لانْدفعَ به عنِّي

  1. (١) هذه الجمل الثلاث قطعة من حديث أبي هريرة﵁ -، رواه مسلم (٢٦٦٤).
  2. (٢) «كنت» ليست في ك.
  3. (٣) «من أمره» ليست في ك.
  4. (٤) ك: «بل».
  5. (٥) ج: «لما».
  6. (٦) ك: «المقدر».
  7. (٧) ب، ج، مب: «حجة».
  8. (٨) في المطبوع: «وقفت» خلاف النسخ.
425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي